أفكار ومواقف

عام آخر بلا إشراق

علاء الدين أبو زينة

أتصور أن المسألة ليست ذات علاقة بنصفي الكأس.

في الأصل، ينبغي الأمل في حتمية قدوم الفجر مهما اشتدت حلكة الليل.

فالأمل متطلب البقاء وابتكار المعنى.

لكن التفاؤل شيء، وما يعرضه الواقع شيء آخر.

في الواقع، يصعب رصد أي إشراقات ذات معنى في العام المنقضي أيضاً –إذا نظرنا في الأحوال العامة للمجتمعات والدول والبشرية وتغاضينا عن النجاحات الفردية.

ما تزال القضايا العربية، على كل وأي مستوى، في حالة توجب الرثاء.

لم يستقر اليمن، وسورية، والعراق، ولبنان، والسودان.

وفي البلدان التي لا تتجلى أزماتها بهذا الوضوح، ثمة شيء يمور دائماً تحت السطح ويضج بفقدان التوازن والقلق.

ثمة بلدان أفرطت في الانغلاق وتحاول مع التحديث، فتصبح مثل الغراب الذي قلّد مشية الحجل.

وهناك أخرى أوصلتها هشاشتها وضيق خياراتها وقلة حيلتها إلى التحالف العلني مع العدو الصهيوني الذي لا يجهل أحد أطماعة وكراهيته للعرب.

وثمة أزمات الاقتصادات، والحريات، والكراهيات الدينية والطائفية والقبائلية.

وثمة تقاتُل الإقليميين والعالميين على نهش قطع من الوطن العربي المنهار المليء بالعلل وخلل أجهزته الحيوية.

قضية فلسطين؛ القضية المركزية التي تلخص التناقض الأساسي بين مشروع الهيمنة الاستعماري ومشروع التحرر العربي كله، لم تحرز أي تقدم –إن لم تكن قد تراجعت.

لم يعُد التخلي عنها ومصافحة مستعمريها –أو حتى محتليها بالتوصيف الدولي- شيئاً يستوجب الخجل والعمل في الغرف الخلفية.

ومن التناقض بين المواقف الشعبية والرسمية، من الواضح أن الأنظمة لم تعد تقيم أي اعتبار لعواطف شعوبها، حتى في مسألة واضحة كفلسطين.

فلسطين أيضاً أصبحت جزءاً من كل أثير وعزيز –وإنما محتجز ومقموع- في نفوس العرب.

وبعد عقد من «الربيع»، وانتصار الثورة المضادة وإجهاض المحاولة الشعبية، تتصرف الأنظمة بزهو المنتصر بلا أي حسابات.

حتى تونس، التي رأى فيها الكثيرون قصة النجاح الديمقراطي العربي الوحيد في العقد الأخير، عادت إلى الأزمة وتاهت بها الطريق، وانخرطت ثانية في البحث المضني عن الذات.

والعالم، ما يزال فيه الصراع أقوى من السلام.

وما يزال الطيبون يخسرون والأشرار يكسبون. بل إن الوصفة المثبتة لبعض السلام هي أن تكون قوياً وعدوانياً وأن تؤوي عنصراً من الشر.

وبغير ذلك سيسلبونك حصتك، إذا كانت لك حصة من الأساس. والأقوياء يتنافسون فقط على أخذ المزيد من حصة الفقراء.

والوباء. الملايين من الناس فقدوا أرواحهم وعشرات الملايين تصارعوا مع احتمال الموت، أو فقدوا أعمالهم وانقلبت أحوالهم.

وبينما أمل الناس أن يكون العام الأول من الوباء أعظم الشرور، وظنوا أن الحلم العزيز بالوصول إلى لقاح سيكون خاتمة الأحزان، كان العام الماضي استمراراً لخيبة الأمل.

الآن، ينتهى العام على هجوم جديد من الفيروس العائد بأشكال تسخر من أحلام البشر وتفضح هشاشة مخططاتهم.

إنهم في النهاية مخلوقات أنانية، الفرصة عندهم للذين يملكون والعناء لمن لا يملكون.

وحتى مع كل المنطق في فكرة أن هزيمة الوباء لن تتحقق ما لم تتم حماية الفقراء منه أيضاً، ما يزال الأغنياء يحتكرون اللقاحات وهم يعرفون أن الفيروس يجد متسعاً عند الفقراء ليتحور ويعود إليهم.

وإذا أكد الوباء على شيء، فهو عبث التفكير في استراتيجية بشرية عالمية تعاونية، حتى في مواجهة عدو يهدد الجميع.

في المناخ، ما يزال الأثرياء والجشعون يلعبون بأقدار الكوكب.

وإذا صحت توقعات العلماء، فإن الأرض ستصبح غير صالحة لعيش الكائنات في غضون عقود.

حتى غريزة البقاء وحفظ النوع لا تعمل في البشر الذين يأخذون معهم بقية الأحياء إلى النهاية.

وكأن الذي يكدسون المال الفائض كثيراً عن توفير حياة مترفة وآمنة مدى العمر لا يحفلون حتى بأولادهم وأحفادهم.

واللاجئون. أعداد اللاجئين في ارتفاع بسبب تزايد بؤر التوتر والصراعات والفقر والتصحر.

وعندما يحاولون البحث عن فرصة، إما يغرقون في الطريق أو تُغلق الأبواب في وجوههم.

هذا العالم الرحب ليس في الحقيقة سوى إقطاعيات مسوّرة بالأسلاك الشائكة والجدران المحمية بالبنادق والشرطة.

العولمة فقط لتنقل البضائع وجني الأرباح، بينما حيز الأفراد يضيق وحركتهم تصبح أكثر تقييداً فحسب.

أين يمكن العثور على إشراق في العام المنقضي يبشر بشيء في العام الجديد؟

المقال السابق للكاتب

صالونات الموسيقا.. نوادي البهجة

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock