عشرون، عشرون.. وفي حال الجرِّ أو الإضافة هي عشرين، عشرين. لا كائن حياً على هذه الأرض إلا سيتذكر هذا العام، ولو عاش حتى السأم أو ما بعده بعشرة أعوام. ستصدر روايات تحمل اسمها، وتتضمن حوادثها ونوائبها، من دون افتعال، فقد فعلت وافتعلت كلّ ما كان المؤلف يعجز عن تخيّله. وسيطلق عليها أسماء لا إبداع فيها، مثل كلّ الأعوام التعيسة في الماضي، سيسمّونه عام الفيروس، أو كورونا، وبخيال محدود سأسمّيه عام الكمّامة.
لو كانت عشرون، عشرون فيلم رعب، لكان يمكن إيقافها بجهاز التحكّم. لو كانت فيلم خيال علميّ، لأشعلنا الإضاءة وأفسدنا السّحر، أمّا لو كانت فيلماً روائياً، لتغوّل السيناريست على النصّ الأصليّ، فانتقص وأضاف خفة وميوعة، حتى تنتهي عقدة الأحداث بحفل زفاف عند البحيرة. ربّما ظننا أنّ عشرين، عشرين فيلم كوميديا سوداء، وهو احتمال “غير علمي”، فلا لون لهذا العام. المؤكد أنها فيلم عن قصة حقيقية، لذلك صرخنا جميعاً أثناء العرض: لقد شاهدنا هذا الفيلم من قبل!
لم تأتِ عشرون، عشرون بجديد. لقد جرّبنا كلّ هذا السوء من قبل. الموت قبل موعده ليس حكراً على عشرين، عشرين (تعداد المجازر والمجاعات والفساد الطبيّ سيفسد هذا المقال). الحجْر جرّبته شعوب كثيرة (أعرف وتعرفون شعباً هو إما أسير أو أسيرٌ محرّر). التباعد كان اختيارياً عبر الإقامة الدائمة في الهواتف المتحرّكة، ثمّ صار قسرياً وتحت طائلة المسؤولية. صحيح أنّ الكمّامة لم تكن موجودة قبل عشرين، عشرين، لكنّ أنفاسنا لم تكن حرة. الفرق أنّ عشرين، عشرين كانت مثل محلول مُركّز لا يمكن تخفيفه.
“مرحلة حرجة من تاريخ البشرية” هكذا يصف تقرير إعلامي عشرين، عشرين، وهذا يعني أنه يمكنني أن أضيف إلى سيرتي الذاتية الفقيرة أحداثاً تجعل الشيب يمتدّ إلى الذراعين، فقد فاتتني الحرب العالمية الأولى كما فاتت جدّي، والثانية بالطبع كما فاتت أبي، وولدت في زمن الحروب القصيرة، أطولها ثمانية أعوام مع هُدُنات لإنجاب قتلى لملء موجز الأنباء. نعم لقد شهدت مماحكات سياسية، وظروفاً دقيقة، وأوقاتاً عصيبة، لكنها كلها لم تؤذني كما فعل المعقّم الكحوليّ بخطوط يدي.
عشتُ في عشرين، عشرين. سأقول هذا لكلّ المواليد الجدد. سأروي لهم كما سيفعل الروائيون، ما وقع من أحداث في الشارع أثناء ساعات الحجْر، وفي مناماتي القصيرة بين مناماتي الطويلة. سأخبرهم عن رهبتي من إجراء مسحة الأنف للمرة الأولى، فقد سألتُ الممرّض جاداً إن كان الأمر يتطلب تخديراً موضعياً. لن أبالغ في وصف الأثر الذي تركته الكمّامة على وجهي من بهاق، لكنّي سأقلل من كلّ النوائب التي ستحدث بعد عشرين، عشرين.. بوصفها أفلام كرتون.
عندما أشاهد أحداث عشرين، عشرين في فيلم رعب، مع المواليد الجدد، سأشير إلى رجل يخترق الحظر، وأقول لهم: هذا أنا كنتُ ذاهباً لرمي القمامة!

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock