أفكار ومواقف

عام على “ممانعة ومقاومة” روسيا

مع إكمال روسيا، أمس، عامها الأول من التدخل العسكري المباشر في سورية، سيبدو منطقياً، للوهلة الأولى، استعراض عدد الضحايا المدنيين والأطباء والمسعفين الذين أبادتهم، وهم بالآلاف، الطائرات والصواريخ الروسية؛ كما عدد المستشفيات والمدارس والمخابز، وكل المنشآت الإنسانية الحيوية الأخرى، التي تم تحويلها إلى ركام خلال هذه الفترة.
لكن مثل هذا الجهد لا يحمل في الواقع أي قيمة، إزاء الحقيقة الثابتة منذ الأيام الأولى للثورة السورية سلمياً، والمتمثلة في أن روسيا -ومثلها تماماً إيران- ما تدخلت عسكرياً بشكل مباشر في سورية إلا لحماية بشار الأسد بشخصه. ومن ثم، يكون بدهياً أن كل معارض له؛ إسلامياً أو علمانياً، مسلحاً أو سلمياً، هو محض إرهابي تنطبق عليه الذريعة التي تستخدمها موسكو وطهران لإبادة الشعب السوري، نساء وأطفالاً، قبل مقاتلي معارضة، بدعوى أنهم “دواعش”.
واستناداً إلى ذلك أيضاً، يكون مفرغاً منه الإقرار بأن روسيا تنتصر في سورية، لأنها أبقت الأسد بمسمى “رئيس جمهورية”. لكن مثل هذه الحقيقة ناقصة فعلياً، فلا بد من استكمالها، موضوعياً، بعبارة “حتى الآن”.
فبداية، صار أي تقدم على الأرض باسم نظام الأسد، ليس سوى احتلال بري إيراني، يتباهى به قادة مليشيات نظام الملالي متعددة الجنسيات، إنما المنسجمة في حقدها الطائفي. كما أنه بعد تدمير الأسد وإيران، وأخيراً روسيا، لسورية الدولة لأجل سورية الأسد، سيغدو مستحيلاً تحقيق وهم موسكو وطهران بإعادة قبضة الأسد (ولو بالمسمى بعد أن صارتا الآمر الناهي بشأن مصيره) إلى ما كانت عليه الحال قبل العام 2011. هذه الحقيقة لا تعني فقط أن روسيا وإيران بممارستهما سياسة الأرض المحروقة في سورية لا تحققان -حتى في حال “الانتصار” شامل- أكثر من شراء الوقت لاستمرار الأسد بمسمى “رئيس” لحين اشتعال ثورة جديدة؛ بل أهم من ذلك أن الأسد لم يعد قادراً كذلك على إخضاع حاضنته الاجتماعية ذاتها على النحو الذي كان قائماً قبل الثورة، بعد أن صارت هذه الحاضنة مسلحة، ولديها أمراء حرب وقادة عصابات، أسوة بآل الأسد، وتريد بالتالي مشاركة العائلة الحاكمة الكعكة السورية.
طبعاً، يشترك مع روسيا (وإيران) في النصر القائم -حتى الآن- شبيحة الأسد “العروبيون”، طالما أنه ما يزال محتفظاً بمسماه، بغض النظر عن كل جرائمه؛ سواء جاءت بأوامر مباشرة منه أو عبر موسكو وطهران لأجل بقائه. لكن، في المقابل، فإنه بعد التدخل العسكري الروسي تحديداً، انتهت كل الذرائع “العروبية” لدعم الطغيان.
إذ نقيضاً لذرائع الاحتفال بذاك التدخل قبل عام، باعتبار أن روسيا انضمت لمحور “المقاومة والممانعة”، صار القصف الإسرائيلي في سورية اليوم يتم بحماية موسكو، بناء على تنسيق إسرائيلي-روسي. ومن ثم، فكما أنه يُحسب لشبيحة الأسد جعل “قتل البشر وجهة نظر”، فقد صارت هذه القاعدة تنطبق بفضلهم على التطبيع مع إسرائيل؛ لأن جميع الشبيحة بدعوى “المقاومة والممانعة”، ومن دون أي استثناء، هم في الواقع مطبعون -ولو غير مباشرين- عبر موسكو.
وبناء على الحقيقة السابقة، فإنه بدل أن تحرر موسكو فلسطين أو حتى شبراً منها، فقد كانت النتيجة الوحيدة لوصول القوات الروسية والإيرانية إلى حدود فلسطين المحتلة (إضافة إلى تصاعد وتيرة الاستيطان)، هي عقد مجلس الوزراء الإسرائيلي، بشكل غير مسبوق منذ العام 1967، جلسته الأسبوعية في نيسان (أبريل) الماضي بهضبة الجولان السورية المحتلة، في تأكيد عملي لما أعلنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يومها، عن “أبدية” الاحتلال للهضبة.
بعد كل ذلك، وإذا كانت قابلة للفهم جرائم روسيا وإيران بحق السوريين، باعتبارها تخدم مصالحهما القومية، فإنه لا تبدو من مصلحة (واضحة على الأقل) للشبيحة “العروبيين”، بعد عام على التدخل الروسي وخمسة أعوام على التدخل الإيراني، في هذه الجرائم. ويكون محتماً طرح سؤال: لماذا هذا الحقد على سورية والسوريين؟ لاسيما وأن هؤلاء الشبيحة “الديمقراطيين” ذاتهم يؤكدون أن الإقصاء والتهميش وانعدام الحريات (في بلادهم طبعاً) يفرخ الإرهاب، فكيف بالإبادة الجماعية التي تتم بحق السوريين!

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock