أفكار ومواقف

“عبء الرجل الابيض”: الوجه القديم الجديد للاستعمار

“عبء الرجل الأبيض”، أو بمعنى أدق مسؤولية “الغرب الحضاري” عن رفع سوية العالم “غير المتحضر والهمجي”، هي العبارة المكتوبة، وفي اغلب الأحيان غير المكتوبة، التي يستند إليها مسؤولون وعدد كبير من الكتاب الغربيين في تبرير سياسات الغزو والاحتلال.


هذا الادعاء يبرز بقوة في لغة المسؤولين الاميركيين والاسرائيليين، يساندهم في ذلك جيش من “الكتبة”، للدفاع عن سياستهم وفشلها في العراق وفلسطين.


فكيف يمكن انكار دور المقاومتين الفلسطينية والعراقية (ولا اريد هنا ان اخوض في الفروق بين الارهاب والمقاومة) دون اللجوء الى مقولات تثبت تفوق المحتل، اميركيا كان أم اسرائيلياً، والتغطية على مأزق الاحتلالين الاميركي للعراق والاسرائيلي لفلسطين؟!


لنأخذ مثلاً تهديدات الرئيس الاميركي بوش “للسنة” في العراق، بأن عليهم ان يختاروا بين الديمقراطية والارهاب.


فموقف بوش، الاستعلائي والمدعي الاخلاقية، جاء رداً على معارضة بعض القادة العراقيين لمسودة دستور تكرس الطائفية والاثنية، وتسلخ العراق عن هويته ومحيطه العربي.


أما ارييل شارون، فقد اتاه وحي “التضامن الانساني” في الاسبوع الاخير قبل اعادة نشر القوات الاسرائيلية من غزة، بتبريره فك الارتباط الاحادي الجانب بأنه خطوة ستساعد “الفلسطينيين، بتوسيع رقعة معيشتهم وتحسين اوضاعهم الاقتصادية”، متجاهلاً ان المستوطنات إنما بنيت على ارض محتلة، ووُفرت لها كل وسائل الرفاهية من خلال سرقة المياه الفلسطينية وسياسة التدمير المنهجية لاقتصاد غزة. فالمعنى المبطن، أنه كأسرائيلي متفوق اخلاقياً على الفلسطينيين، يقع عليه “عبء تحسين حياتهم”، كما يقع على بوش “الحضاري” عبء افهام العراقيين، بالقوة العسكرية، ان المفهوم الاميركي “للديمقراطية في العراق” هو لمصلحتهم، والا فإن الاعتقال والقتل ومحاصرة المدن ودكها بالصواريخ هو اللغة الوحيدة التي سيستعملها، لأنها اللغة الوحيدة -كما قال احد اهم منظري المحافظين الجدد، برنارد لويس- التي يفهمها العرب.


نجد ان هذه الفلسفة الاستعمارية العنصرية وجدت طريقها، كما هو الوضع دائماً، الى التغطية الصحافية في الاعلام الاميركي لكل من “الانسحاب الجزئي من غزة”، والجدل العراقي حول مسودة الدستور. بالطبع، هناك استثناءات في الاعلام الاميركي، والايجابي في هذا الوضع أن الاستثناءات اصبحت اكثر شيوعاً ووضوحاً، نتيجة لتصاعد وتوسع الحركة الشعبية المناوئة للحرب في العراق، والمؤيدة للقضية الفلسطينية، وذلك بالرغم من ضآلة تأثيرها نسبياً على صانع القرار الاميركي.


المهم هنا، ان الحركة المناوئة للسياسة الاميركية في العراق وفلسطين، نتيجة للمقاومة، قد احدثت فرقاً في الرواية الرسمية وشبه الرسمية التي تلتزم بخطوطها الرئيسة معظم وسائل الاعلام الاميركية. ولذلك، انبرى “كتبة التدخل السريع” في الصحافة الاميركية، وهم بالمناسبة كثر، لتبرير الخطوات الاسرائيلية الاميركية.


فتوماس فريدمان ينتقد سياسة بوش في العراق، لكنه يدافع عن الحرب. فمن منطلق “عبء الرجل الابيض”، “ينصح” فريدمان الإدارة الأميركية ويعطيها دروسا في كيفية ادارة الوضع في العراق، فيما يدعو في نفس الوقت الى اصدار لائحة بـ”مروجي الكراهية”، تضم اسماء الذين يحاولون الربط بين سياسة أميركا الخارجية، بما في ذلك الحرب على العراق ودعمها لاسرائيل، وبين تصاعد العمليات “الإرهابية”، وبحيث تشمل هذه اللائحة اكاديميين ومثقفين ومعلقين سياسيين. اما زميله اليميني “دايفيد بروك”، فيقوم بالترويج لوصفة قديمة جديدة، مفادها زيادة عدد القوات الاميركية في العراق، متجاهلاً تماما حركة امهات الجنود المعارضات لإرسال ابنائهن الى حرب مدمرة.


هنا يجب ان نذكر ان الرواية المعتمدة في معظم التقارير الاعلامية الاميركية تتحدث عن مسودة دستور ديمقراطي، يقدم حلاً لبلد تميز بالصراعات الاثنية والطائفية، وان الاقلية السنية تعارض هذه المشروع من منطلق خسارتها لموقع المسيطر والمستبد، علماً بان هذه التقارير تنشر جنباً الى جنب مع تقارير عن معارضة الكثير من النساء العراقيات لما يحاول فرضه المتشددون الدينيون، سنة أو شيعة، من تشريعات تنتقص حقوقهن.


وبرأي مؤيدي الحرب والاحتلال، فان التطرف الديني هو جزء من النسيج الاجتماعي، وان اميركا تحاول المساعدة في “تضييق الخلافات الاثنية والطائفية بشكل ديمقراطي”. ولتدعيم هذا التمثيل للوضع العراقي، يشار الى مطالب السياسيين العراقيين بتأكيد هوية العراق العربية بأنها دليل آخر على تخلف “السنة العرب”، وتمسكهم بحكم الأقلية، وكأن الشيعة العراقيين ليسوا عرباً! إذ لا يشار الى ان 80% من الشعب العراقي عرب، بل تبرز الصحافة الاميركية التقسيم الاثني والطائفي كأساس لفهم العراق، علما بأن الحلول التي تقدمها الإدارة الاميركية، ويؤيدها بعض الكتاب الاميركيين، لا يمكن ان تقبل لو طُرحت كحل للمشاكل العرقية والدينية في اميركيا ذاتها. لكن، ووفقاً للمنطق الرسمي السائد، إذا كان الشعب الاميركي لا يقبل بمثل هذه الحلول، وهنا تبرز العنصرية، فإن الشعب العراقي، أو أي شعب آخر في جنوب الكرة الارضية، “لا يمكن فهمه والتعامل معه بالمثل العليا نفسها”!


المنطق نفسه يتم تطبيقه على رواية فك الارتباط الاسرائيلي الأحادي الجانب في غزة. فمنطق “عبء الرجل الابيض” يفرض على القادة الاسرائيليين “تضحيات خيارية”، لا يمكن “توقعها من الفلسطينيين”. وعليه، فقد امتلأت الصحف وشاشات التلفزة بقصص عائلات اسرائيلية “تُقتلع من بيوتها”، وبمقالات عن “انتصار الجيش الاسرائيلي”، الذي استطاع “بالدموع”، دموعه ودموع المستوطنين، في مشهد انساني جماعي للتضحية، و”عمق وسمو الحس المتفوق بالمسؤولية الانسانية” تجاه السلام، انجاز “اخراج” المستوطنين في ثلاثة ايام.


شارون لم يكن باستطاعته تحقيق هذا “النصر الاخلاقي الاعلامي وحده”، وانما استدعى ذلك وضع خبرات الخبير الاسرائيلي الاول في اضفاء “طابع اخلاقي فلسفي” على السياسات الاسرائيلية، شمعون بيريز، الذي كان وجه اسرائيل الاعلامي الرئيس خلال دراما “الانسحاب واخراج المستوطنين”.


اداء بيريز ذكرني بادعاءات لاسرائيلي آخر، يختلف سياسياً مع بيريز وان كان يحتفظ بصهيونيته باعتداد. ففي مؤتمر في لندن عقد في العام 1994، فاجأ الكاتب الاسرائيلي ديفيد هوفمان بعض جمهور المعجبين بقوله: ان مسؤوليته واخلاقياته كإسرائيلي ويهودي دفعته الى “اعطاء صوت للآخر.. أي الفلسطيني” في مؤلفاته. وأضاف، ان هذه المسؤولية هي جزء من التراث الاسرائيلي. وعندما تحديته اذا ما كان ذلك يعني “ان الاسرائيلي يولد متفوقاً اخلاقياً”، او ان “المسؤولية الاخلاقية لمثقف اسرائيلي تجمع ما بين اقتلاع الشعب الفلسطيني ومصادرة حق الفلسطيني في سرد روايته”؟ اعاد التأكيد انه لا يفعل سوى اعطاء صوت للفلسطينيين انطلاقا من هويته الثقافية اليهودية الاسرائيلية.


ولكن بعد الندوة، قال لصديق جنوب افريقي بانه لا شك استهان بقدرة العرب الموجودين في المؤتمر؛ فهو لم يتوقع تحديا بهذا المستوى!


نعود الى “عبء الرجل الابيض” وتفوقه الاخلاقي؛ فكل ما يصنعه هو لصالح الإنسانية وتمدين غير المتحضرين، وهو وحده يستطيع سرد الرواية، لانه اذا سمح لـ”الآخر” بسردها فإن هذا الآخر لا يستطيع فهم البعد الحضاري الاخلاقي للقتل والسلب والغزو والاقتلاع. وهوفمان يعتقد انه يستطيع ان ينتمي الى ثقافة المحتل، وتمثيل ثقافة الانسان القابع تحت الاحتلال في آن واحد.


اما في حالة بوش وشارون وبيريز، فالقوة العسكرية هي التي تقرر الرواية، ولا حاجة إلى الادعاء بتمثيل آلام الضحية، فقرار الانتقام أو الرحمة هو قرارهم، لانه جزء من “عبء الرجل الابيض”.


[email protected]

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock