منوعات

عبلة حمارنة: التراث جسر ثقافي يربط بين الأجيال المختلفة

جامعة التراث الغنائي الأردني تشكو عدم التقدير


 


تغريد الرشق


   عمان – وجدت عبلة حمارنة الحقيقة في العودة الى الماضي، فاحترفت تدوين الأغنيات الأردنية التراثية كميل استهواه فؤادها، فحنين (جامعة التراث) اهتمام حقيقي بجمع وثائق وطنها المغناة والحرص على حمايتها بسعي يمتلئ بالعاطفة والنخوة والفخر والاعتزاز.


    “كنت أترك اعمالي المنزلية عندما تخطر ببالي اغنية وأمسك القلم فورا وأبدأ بالتدوين”، هكذا تصف حمارنة الخطوات التي قادتها لتجميع كتاب يحمل اسم (اغانينا الأردنية مثل نبع الميه)، والذي يضم 65 اغنية اردنية تراثية وشعبية أنجزتها بمفردها من دون مساعدة من أي أحد.


ويندرج اهتمام حمارنة في العمل الثقافي والإسهام الحضاري في التراث بهدف ترقية الشعور الوطني وتعزيز الأواصر التي تربط بين أبناء الوطن الواحد من خلال اجيال متعددة.


    تقول “التراث يشكل معينا غنيا لا ينضب، لذلك آثرت الحفاظ عليه بطريقتي الخاصة”، وهو جهد ينطلق من ايمانها بأهمية بقاء الفلكلور صامدا في وجه الحداثة والتطور، فقررت البحث عن مكنونات التراث وجواهره الكلامية.


     وتجلت مواهب حمارنة المتعددة وإصرارها على التعلم، وهي التي تؤكد “بعد 25 عاما من زواجي حصلت على شهادة التوجيهي”، إذ بالرغم من زواجها في سن صغيرة فإن مسؤوليات الزواج والانجاب وتربية الأولاد لم تثنها عن تقديم امتحانات الثانوية العامة مع اولادها.


      وعينت حمارنة بعد ذلك في وزارة التربية والتعليم كمعلمة صفوف ابتدائية لتعمل لاحقا على الحصول على دبلوم اللغة الانجليزية من دار المعلمين وانتهت رحلتها مع التعلم الأكاديمي بحصولها على درجة البكالوريوس في تخصص معلم صف.


       وتقول “بعد احالتي على التقاعد شعرت بالفراغ على الرغم من عملي التطوعي الذي لم أتخل عنه منذ 50 عاما وحتى اليوم”. وتضيف “وهكذا وجدت نفسي في تدوين الأغاني الأردنية التراثية المخزنة بذاكرتي والتي كانت تتردد في الأعراس والمناسبات نظرا لعدم وجود تلفزيونات حينها”.


     وجاء قرارها ذلك بعد أن خافت على تلك الأغاني من الاندثار والضياع، “كونها تشكل جسرا ثقافيا يربط بين الأجيال بحسب قولها، وهي تتمنى ان تصل هذه الأغاني الى مغنين يطورونها ويقدمونها بشكل حديث مع الحفاظ على طابعها الأصيل.


     ولا يمكن معرفة مؤلفي هذه الأغنيات، وفقا لحمارنة، كونها نقلت من رواة ومن اجيال متعاقبة، وقد قامت الكاتبة بتصنيف الأغاني كل حسب مناسبته في صفحات كتابها الصادر في العام 2001، فمنها ما صنف تحت فئة اغاني الحب العذري واخرى تحت فئة رحيل الحبيبة او زواجها بآخر، وأغنيات عن (ليلة الحنه) وزغاريد الأعراس.


    وضم كتابها ملاحق تحدثت عن العادات القديمة وقصص البداوة وما يقال في الملوك والشيوخ، اضافة الى ملاحق للصور تحوي صورا لمطرزات ونحاسيات ومقتنيات تراثية.


     وحمارنة سعيدة بإنجازها ذلك، وتقول “قمت بواجبي الوطني وحفظت عددا كبيرا من الأغنيات التراثية من أجل أن يطلع عليها جميع الناس لأنها تراثهم”. وتشير الى ان سعر الكتاب مناسب وبأنها تتمنى ان يقتنيه كل بيت اردني.


     ولم تكتف حمارنة بتأليف هذا الكتاب، لكنها عملت كذلك على اصدار كتاب آخر مختص بأغاني الأطفال التراثية، طبع بدعم من وزارة الثقافة، وتؤكد بأنه لاقى رواجا كبيرا “لأنه ينقل الأغاني الشعبية للأطفال”.


وتنوه الى ان الفكرة تولدت لديها في سياق محاولاتها لتسويق كتابها الأول، حيث اقترح عليها مدير العلاقات العامة في وزارة الثقافة حينها د.محمد الحموري ان تجمع اغاني الأطفال ايضا فلاقت الفكرة قبولا لديها.


وتقول حمارنة التي ترأس جمعية الشابات المسيحيات في مادبا ان هذه الأغاني ترتبط بألعاب الأطفال الشعبية، غير أنها تؤكد بأن “وزارة الثقافة دعمته لأنه غير مكلف كونه اسود وابيض وهو ما لا يناسب الأطفال وخيالاتهم”، ما دفعها لتغطية بقية التكاليف منها من أجل إصداره.


وتشكو حمارنة من انعدام التقدير، إذ لم تعمد أي جهة إلى تكريمها على ما أنجزته سوى جمعية الشابات المسيحيات، كما استضافها التلفزيون الأردني في برنامج (يسعد صباحك).


    ولم تقتصر كتابات حمارنة المولودة في مادبا العام  1934 على كتب الأغاني، بل سبق وان نشر لها كتاب (قصص واقعية تروى) يحوي قصصا سمعتها حمارنة من الأهل والمجالس او قصصا عايشتها هي، وتدل احداثها على حكم ومواعظ وتعطي دروسا في الحياة.


    كما صدر لها ديوان شعري بعنوان(على دروب الحياة) يضم قصائد لها، وعن موهبتها الشعرية تقول ان الشعر موهبة متوارثة في عائلتها فقد كان عمها عيسى الحمارنة شاعر الملك عبدالله الأول قبل ان يصبح ملكا.


    وتصف إلهام الشاعر بأنه يتأتى وفقا لمشاعر تراوده، فقد يعجز في مواقف معينة عن كتابة قصيدة. وتقول “مثلا توفي اخي فلم اقدر على نعيه او رثائه بالشعر، ربما في حالات وفاة اخرى أستطيع ان أكتب قصائد”.


     وترى حمارنة ان الانسان لا يفرض على نفسه ماذا يكتب بل “الكتابة هي التي تفرض الشعور الصادق”. وتشير الى ان ابياتها ارتبطت ببلدان زارتها ووصفتها، كما ارتبطت بحوادث ومواقف معينة مرت عليها”.


     وحول الطرائف التي واجهتها في هذا الصدد، تروي ما حدث لها مع وزير التربية والتعليم الراحل ذوقان الهنداوي، حيث كان لها موعد مع الهنداوي، فدأب سكرتيره على ادخال الناس قبلها وهي تنتظر، إلى أن فاض الكيل بها فقامت واخذت قلما وورقة ودونت ابياتا شعرية قالت فيها:


سكرتير الوزيرعلينا مهـلا        فان العون من صفة الكريم


اراك موزع النظرات تبغي        مرور الوقت عالشعب الكريم


لماذا يا اخي ترضى انكسارا      لمن لا ترضى بالشيء الذميم


محال لن اهون لغير ربـي       مساوي الناس في جبل الأديم


   وطلبت من المراسل ان يدخل بالورقة للوزير شخصيا، فما كان من الوزير إلا أن قام بإدخالها فورا كما انه نقل السكرتير الى قرية بعيدة لاحقا حسب قولها. وتختتم حمارنة حديثها بالتأكيد على اهمية الحفاظ على تراث وفلكلور شعبنا وإبراز هويته القومية وترديد أغانيه. وهو التراث الذي يتنوع بشكل ملفت، مؤكدة بأن إرثنا الغنائي يعبر بصدق عن احساس الناس وامانيهم وتطلعاتهم وهمومهم وآلامهم وشعورهم العاطفي.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock