أفكار ومواقف

عتب بين واشنطن وعمان

لا تحديث رسمياً في المعلومات حول العلاقة الأردنية الأميركية، واذا ما كانت متوترة، حقا ام انها جيدة على المستوى السياسي، مع كثرة المعلومات التي يتم تداولها حول اسرار العلاقة وطبيعتها هذه الأيام.
كل المعلومات تتحدث عن فتور شديد في العلاقات، فرغم استمرار دعم واشنطن على الصعيد المالي والعسكري، لكن الحديث يقول ان العلاقات السياسية باتت فاترة لاعتبارات كثيرة، رغم زيارة مسؤولين أميركيين إلى الأردن، مرارا، وزيارة مسؤولين أردنيين إلى الولايات المتحدة.
في فضاء العلاقة ملفات ربما تسببت بتوترات ضمن حدود معينة، أبرزها أن الأردن لم يتجاوب مع الولايات المتحدة فيما تريده بشأن صفقة القرن، واعتراض مسؤولين أردنيين كبار على تفاصيل معينة، وتم ابلاغ هذا الرأي للولايات المتحدة، واعتبرت واشنطن أن الأردن وهو حليف أساس، لم يتعامل مع خطة واشنطن بمرونة كافية، وهذا يعني ان اعتراض الأردنيين والفلسطينيين، وهما أهم طرفين، يعني فعليا، افشالا لكل الخطة والتراجع عنها.
لكن يسأل مراقبون بجدية اذا ما كان الأردن قادرا أساسا على الوقوف ضد الولايات المتحدة، بحيث يقول هؤلاء إن الأردن بلد فقير وضعيف، وغير قادر على معارضة واشنطن، وأصحاب هذا الرأي يتناسون من جهة ثانية أن الأردن رغم بنيته الحساسة، وظروفه المختلفة، يقع في موقع إقليمي حساس جدا، وواشنطن غير قادرة على إضعاف الأردن اكثر مما هو فيه، او رفع مظلة الحماية عنه من باب الانتقام، لمعرفتها آثار ذلك على الأمن الإقليمي، وهذا يعني في المحصلة أن نقاط ضعف الأردن هي نقاط قوته، إذا أحسن الأردن إدارة الموقف مع واشنطن، وأدار هذه التقلبات بشكل منتج.
المؤكد هنا، أن هناك غموضا في العلاقات الأردنية الأميركية حاليا، ورغم تأكيدات المسؤولين أن العلاقات جيدة، وأن واشنطن تواصل دعم الأردن، فيمكن القول إن العلاقة مع الرئيس الأميركي ليست على ما يرام بسبب قضايا متعددة، خصوصا أن شخصية ترامب غير مرنة، وتصنف الدول على أساسين؛ مع واشنطن أو ضدها. لكن مخرج الأردن في هذا التوقيت لتخفيف التوتر بين عمان وواشنطن، يرتبط بثلاثة امور، أولها أولوية ملف ايران، ثم قرب موعد الانتخابات الأميركية التي سوف تتشاغل بها الإدارة الجمهورية، وأخيرا ان سقوف التعبير الأميركي عن عدم الرضا عن الأردن تبقى محدودة لاعتبارات كثيرة، على صلة بموقع الأردن الحساس في الإقليم، والتعقيدات الجيوسياسية، ووجود محددات لا يمكن لواشنطن ان تتجاوزها، كون كلفة التجاوز ستؤدي لنتائج خارج التخطيط الأميركي للمنطقة.
الإدارة الأردنية للموقف من صفقة القرن ليست هي سبب الفتور وحسب، إذ إن الموقف المتدرج البطيء من ورشة البحرين الاقتصادية، ومحاولات الاقتراب من الاتراك، من جهة، وبرقيات محددة ابرقتها عمان الرسمية نحو دمشق وعواصم أخرى، كلها تركت أثرا معينا، فيما اللوم الأردني على واشنطن يرتبط بملفات على صلة بالجانب الاقتصادي، وتجفيف المساعدات العربية قياسا بسنوات سابقة، وبعض الملفات ذات الصلة بتصرفات إسرائيلية، ذات حساسية خاصة في الحسابات الأردنية.
الكلام المعسول الذي تسمعه في عمان حول العلاقات الأردنية الأميركية، كلام مفهوم الدوافع، لكنه لا يتطابق مع الواقع، تماما، والأردن اليوم يعالج العلاقة الأردنية الأميركية على أساس مبدأ شراء الوقت وجدولة الازمات، وانتظار تحولات قد تحدث بفعل ملفات عربية وإقليمية ودولية، وقد لا يتمنى الأردن ان يعود الرئيس الأميركي إلى الرئاسة في البيت الأبيض، لكن حتى ذلك الوقت يفضل ان يجدول الازمات، ويشتري الوقت، حتى يعبر هذه المرحلة بأقل كلفة، واقل خسائر، وهو الذي اختبر في فترات سابقة في تاريخه على مدى عقود، فترات من التوتر مع الولايات المتحدة، تمت ادارتها بوسائل مختلفة.
اكثر ما يمنع واشنطن من تجاوز الخطوط الحمراء في ردود الفعل، ان الأردن أيضا استطاع صياغة خريطة علاقات أوروبية ودولية ليست سهلة، كما استثمر جيدا في حساسية موقعه الجغرافي-السياسي، مثلما ان الأردن الذي يصفه خصومه بالضعيف والتابع لواشنطن، اقدر بكثير من دول كبيرة وقوية وغنية على بلورة الموقف، وذلك سبب حسابات معينة تقلب ما يراه كثيرون ضعفا إلى قوة، وتجعل للموقف الأميركي أيضا من الأردن حسابات معقدة تقيد واشنطن، وتجعلها امام خيارات محدودة في التعبير عن عدم رضاها عنه.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock