أفكار ومواقف

عجالة في منع الإتاوات

هل تعرف شعبا أكثر سلمية من الشعب الياباني؟ «الياكوزا» عصاباتهم عمرها أكثر من أربعمائة سنة، فالجريمة ظاهرة بشرية، أي أنها ملازمة لظهور المجتمعات، حتى أنها حسب الرواية الدينية منذ عائلة آدم وحواء حيث قتل قابيل أخاه هابيل، وقد حار علماء النفس والاجتماع والقانون في تفسير سبب جنوح الإنسان للإجرام، ونشأ منذ القرن السابع عشر علم الإجرام والعقاب، لمحاولة فهم هذه الظاهرة وسبر أغوارها، ولهذا فإن دعوات وتصورات مجتمع دون جريمة أمر غير واقعي وغير موضوعي.
أسباب الإجرام حسب مدارس علم الإجرام والعقاب متعددة، منها بيولوجية حتى أن الإيطالي «لامبروزو»، وضع بعض المظاهر الشكلية للمجرمين مثل عرض الجبهة أو طول الحنك، ومدارس أخرى ترى في الظروف الاجتماعية والاقتصادية السبب الأساسي في تشكل المجرمين، وحديثا في مدرسة «شيكاغو» تكلم المختصون عن مساهمة البيئة في المناطق التي تكون في «حالة تحول» اقتصادي واجتماعي بين المنطقة النائية والمدينة، حيث يعتقدون أن في مثل هذه المناطق يتخلخل الهيكل الاجتماعي والاقتصادي، ويغلب على قاطنيها شعورهم بعدم الرضى وانعدام العدالة.
أهم ما في الحملة الأمنية الأخيرة على فارضي «الاتاوات» ما قاله مدير الأمن العام، بأن هذه الحملة ليست ردة فعل، وهي معدة سابقا، تأجل تنفيذها لانشغال الأجهزة الأمنية «بكورونا»، وواضح أن جريمة الزرقاء دفعت بهذه الحملة للواجهة ويذكر أن الأخبار ومنذ أكثر من سنتين ظلت تحمل لنا تحركات الأمن العام للقبض على الخطيرين ومهاجمة أوكارهم. وللموضوعية أيضا نقول: إن المجرم الخطر مطلق السراح ليس مشكلة الأمن العام، فإن هذا المجرم قضى مدة محكوميته، ولا تملك الدولة ولا النظام القضائي حبسه بعد ذلك إلا بالتوقيف الإداري، وهو حل غير مجد إطلاقا، ويذكر هنا أن السجن والعقوبة لا تردع مثل هؤلاء المجرمين، علما أنه ليس كل جريمة لا في الشرع ولا في القانون توجب الإعدام.
أستغرب أن توضع الحملة الأمنية وكأنها تناقض حقوق الإنسان، أو أن من يذكر في سياقها بحقوق الإنسان كأنه ضد القبض على المجرمين. هذه الحملة تحظى بمباركة الجميع وفيها رسالة مهمة مفادها: أن الأجهزة الأمنية هي السيدة على الأرض وأن لا أحد فوق سيطرتها وأن لا بقعة في الأردن خارج نطاقها، ولكن لا يعارض ذلك التذكير بنص الدستور الذي ينص على أن: «…….كل من يقبض عليه أو يوقف أو يحبس أو تقيد حريته تجب معاملته بما يحفظ كرامة الإنسان….»، وقد عبر عن هذه الفكرة جلالة الملك بعبارة مشهورة منشورة في أروقة الأجهزة الأمنية: «.. وكما نعلم أن المحافظة على هيبة الأمن واحترام القانون يتطلبان الشدة والحزم، فإننا ندرك أن هذه الشدة لا تكون إلا بالحق، وأن هذا الحزم لا يحتمل الغلظة…».
حسب مسؤول سابق في الأمن العام، فإن عدد الخطيرين في الأردن حوالي مائتي شخص، ولهذا فإن القبض عليهم لن يكون مشكلة، ولكن التحدي يكمن في عدم تكاثرهم وفي هذا الصدد أقترح التالي:
تعديل قانون العقوبات، بتجريم فعل «فرض الاتاوات بالتهديد»، وتشديد العقوبة على هذه الجريمة، حيث إن قانون العقوبات الحالي يخلو من نص مستقل واضح على هذه الجريمة. تشديد العقوبات في حال التكرار وعدم دمج القضايا للمجرم الخطر. عدم الأخذ بإسقاط الحق الشخصي أو الصك العشائري في حالة المجرمين الخطرين والمكررين. في الشكوى المقابلة التي يفتعلها المجرم المكرر، النص على عدم توقيف المشتكى عليه على أن يتحصل المكرر المشتكي على تقرير من طبيب شرعي، لتحري الإيذاء الذي يدعيه وليس من طبيب عادي. عدم الجمع بين الخطرين والمكررين في السجون، والأهم من ذلك كله، وهنا مجال مساهمة منظمات المجتمع المدني، دراسة نظام الإصلاح في الأردن وتطويره ليكون بهدف خلق ظروف اقتصادية للخطرين المكررين تساعدهم على العدول عن إجرامهم. وأخيرا، تكثيف الجهود لمنع انتشار الحبوب المخدرة والمخدرات بأنواعها، حيث إنها بيئتهم الخصبة للإجرام ومعاودته.
دعونا في هذه القضية الخطيرة ألا نقف عند معالجة العرض وأن نهتم بمعالجة المرض ذاته، فاهم علي جنابك؟

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock