سلامة الدرعاوي

لا شك ان عجز موازنة 2021 مقلق جداً من الناحية الاقتصاديّة، وسيكون له آثار سلبيّة على هيكل المديونيّة مع نهاية العام المقبل في حال عدم التصدي به واتخاذ إجراءات تقلل من حجمه الكُلّي.
العجز المقدّر للعام المقبل هو 2.05 مليار دينار هو ضعف ما كان قُدّر في مشروع قانون موازنة 2020، وهو أقل من الفعليّ بعد إعادة التقدير، ولهذا العام الذي من المتوقع ان يبلغ 2.164 مليار دينار بعد المنح، وهو 3.7 بالمائة من الناتج المحليّ الإجماليّ المُقدّر لسنة 2021.
حجم العجز فعلاً مُقلق، وهنا دعوات مهمة تطلق من العديد من المراقبين والمحللين لمواجهته باتخاذ مزيد من الإجراءات والخطوات التي توفر للخزينة تحصيلات ماليّة جديدة.
في العادة جرت ان تنحصر هذه الإجراءات بمزيد من رفع الضرائب والرسوم، وهو ما يقصده الغالبية من المطالبين بتلك الإجراءات، وهذا أمر فيه تساؤلات وخطورة عالية، تتطلب من المعنيين أخذ الحيطة والحذر من أي خطوات في هذا الاطار لاعتبارات عدة جديرة بالاهتمام والتوقف عندها، فالعبء الضريبيّ كبير جداً على القطاعات الاقتصاديّة والشرائح الاجتماعيّة التي يصل في مجمله ما نسبته 26.2 بالمائة من دخل الفرد الإجماليّ، واشتراكات الضمان هي الأعلى في المنطقة لدرجة ان صندوق النقد أوصى أكثر من مرّة بتخفيضه على المشتركين، وتعرفة الكهرباء والمحروقات هي أيضا من أعلى مُعدّلاتها في الإقليم، وبالتالي نستطيع القول إن مُعدلات الضريبة والرسوم في الأردن هي من المُعدلات المرتفعة والتي وصلت لمستويات غير آمنة أبدا، حتى ضريبة المبيعات التي تبلغ 16 بالمائة هي من أعلى معدلاتها في العالم، كُلّ هذا يدفعنا لدراسة حذرة لأي تفكير بخصوص رفع الضرائب والرسوم، فهي لا تحتمل الرفع أبدا، ومجال الحركة باتجاهها أو للأعلى شبه مفقود ان لم يكن معدوما، فلا مرونة في التعاطي بهذا الشأن دون ان تكون هناك عواقب جانبية وخيمة.
هذا من ناحية اقتصاديّة، والأمر لا يخلو من الأبعاد الأمنيّة والاجتماعيّة في حال رفع الضرائب والرسوم مرّة جديدة، وفي محصلتها سيكون لها كُلّف ماليّة خطيرة أيضاً مما يولد أعباء ماليّة جديدة لم تكن في الحسبان.
فأي عمليات زيادة في الضرائب والرسوم قد تؤدي إلى عودة الرفض لهذه السلوكيات كما حصل في أحداث “الرابع” قبل أكثر من عامين تقريباً.
والسؤال الأهم هو الذي يجب ان يلقى حالة علميّة اقتصاديّة بشأنه هو ان أيّ إجراء ضريبيّ ماليّ كم سيوفر للخزينة أموالاً تستطيع به ان تخفض العجز؟
طبعاً، التحرك التقليدي الحكومي سيكون باتجاه رفع الرسوم والضرائب والأسعار على السجائر والمحروقات والمشروبات وغيرها من القرارات التي قد توفر للخزينة من (40 – 60) مليون دينار في أحسن حالاتها، لكنه من المؤكد لن يشكّل شيئا أساسيا من الحجم الكبير للعجز البالغ (2.05) مليار دينار، أيّ انه لا يشكّل شيئا فاعلا ومؤثرا في مواجهة العجز، بالمقابل قد تخسر الخزينة الكثير من الأموال في تنامي أعمال الحركات الرافضة لسياسات رفع الأسعار والضرائب، فستكون كلفا باهظة لتحركها أكثر بكثير مما قد تتطلع له الحكومات، مما سيؤثر ليس فقط على الوضع المالي الداخلي، وإنما على علاقة الأردن مع صندوق النقد الدولي الذي ترتبط معه المملكة ببرنامج تصحيحي لأربع سنوات.
مواجهة العجز هذه المرّة لن تكون بالضرائب وإنما تكون بالتصحيح الاقتصادي ومعالجة التشوّهات الماليّة الجسيمة في الاقتصاد الوطنيّ، فهناك هدر كبير لا يتناسب أبداً مع الأعباء التي يواجهها الاقتصاد الوطنيّ، فمسألة الإعفاءات السنويّة التي تقدّر بأكثر من 200 مليون دينار، أمر يستحق إعادة النظر فيه باتجاه إلغائها ومن ثم إعادة تبويبها بالشكل الأكثر فاعلية في خدمة بيئة الاستثمار، كما أن دعم الجهود الإصلاحيّة في الضريبة كفيل هو الآخر برفد الخزينة بأموال بمستوى جيد في حال الإسراع في تنفيذ البرامج الإصلاحية بالدائرة التي حققت تقدما ملحوظا هذا العام في جميع أعمالها، إضافة للمناقلات في الموازنة الخاصة في بند النفقات الرأسمالية التي ليس لها قيمة مضافة وستؤدي في المحصلة لتوفير أموال تتراوح بين (400-700) مليون دينار لتحديد العجز في نهاية الربع الرابع وهو الآمن نسبيّاً، ويعتبر الرقم بطبيعته مقبولاً في ظل “كورونا”، دون ان تكون هناك تبعات غير محسوبة في حال اللجوء للضرائب.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock