أفكار ومواقف

عدائية ذاتية

 هكذا كان من دون أن نستشر بالأمر، فهو أقل من أن تؤخذ آراؤنا به.. أنه مجرد حيواتنا بأكملها.


لعله أشبه بدخول اللّجّة بكامل القيافة.


وكانت المدينة مثل سفينة نجاة كبيرة؛ سرعتها أكثر من أن نطيق، وأكبر من أن نحتمل تبعات ملاحقتها.


في المدينة، كانت الشوارع حيادية بأناس وجوههم لا تشي بحنين. نادرا ما يستوقفونك ليسألوا “كيف الحال؟”.


تستذكر دروب القرية الصغيرة الغافية على حكايات مكرورة ودافئة، وأغنيات نحل كثيرة كانت تزاحم الماء والشجر والزهور، وترشد الطيور إلى أعشاشها والنحل إلى دروبه المرسومة فوق خطوط الضوء.


“طريق النحل”!


ياه، كم مضى عليك من وقت لم تتذكر تلك الصورة التي ترسمها نقاط مضيئة في صباحات مشمسة؛ أزيز قليل من الحكمة البدائية التي تدّخر مجهودها لخير الإنسان، وعمل دؤوب لسكبِ غرام من الأصفر اللزج في خلايا سداسية، ثمّ الموت من غير أسف، فضريبة الحياة دُفِعت على نحو مشرق وعادل ومثالي.


لا بدّ ستستذكر أغنية “طريق النحل” لفيروز، ثمة موسيقى تشي بهسيس أزهار تتمايل مع نمسات ناعمة. ثمة مناجاة نحلات، وأحاديث حب كثيرة تعبق بها فضاءات قليلة المدى، وتحوم فوق زهرات مخصوصات. ستعجز عن تحليل جميع الأحاديث، ستجهد نفسك كثيرا.. ولكنك ستعجز لا محالة، فقراءة طالع النحل لا بدّ أن توصلك إلى منتهى الحكمة الإنسانية وخلاصتها، وأنت تدرك تماما أنك بعيد عن الحكمة.. وبعيد عن منتهاها.


كنت تختار سماع الأغنية في كل الأوقات، وتؤكد دائما أنها أغنية بعيدة عن الضجيج والاصطناع والتمثيل. وتستزيد بأنها “أغنية استشرافية” لما يمكن أن يكون عليه المشهد المقبل.


قد تقول، أحيانا، إن أغنية “طريق النحل” تناجي المكان، وتحاول استذكار ملامحه الطيبة بعيدا عن ملامح رسومات سابقة وبعيدا عن أفكار مسبقة، ولكنها في جزئها الأصيل لا بدّ أن تكون نشيد الإنسانية التائهة بين أكثر من طريق؛ الإنسانية التي تحاول تلمس درب صغيرة بين لجة شوارع عريضة وواضحة الملامح.


ولكن المدن تُضيع الدروبَ الصغيرة التي تكاد تضيع في لجة الزحام، وتغيب أسماؤها المتداولة من قاموس المارّين بها.


المدن الباردة تصفع عيوننا بوجوه غير دافئة، والعارفون، الذين نظنهم عارفين، يظنون الأمور طبيعية، وتحدث على أفضل ما يمكن أن تكون.


غير أن الطيبين يعيدون الحكاية إلى الروح؛ الروح التي تستمدّ وهجها من انحياز مطلق إلى إنسانية البشر، وتستكين، في بحثها الدؤوب عن المعنى، إلى دفء المحبين حين يأنسون إلى لقاءات غير مكرورة الحسِّ، ولا تجلبها هلوسات ارتفاع الأسعار.


[email protected]

تعليق واحد

  1. تساؤلٌ
    ما عدت مثل سابق عهدك يا ملكاوي ، بدأت تميل للهدوء واختفى ذلك الشغب ..
    لماذا ..

  2. طريق النحلة
    حين تجذبك الأضواء وحين تتبع أحلاما ربما ليس بأحلامك واكبر من قدراتك ولا تستطيع تحمل تبعات ملاحقتها تعود إلى يوم كنت سمكة كبيرة في حوض صغير…إلى قريتك الصغيرة لتحتويك فتشعر بالدفء والطمأنينة وتجتر حينها مشاهدك وأغانيك المفضلة من الحياة .
    إنك لا تغرق لان البحر كبير بل لأنك لا تتقن السباحة, ولا تتوه في الحياة لأنها معقدة بل لان مهارة الإبحار لديك بدائية ترجع بك دائما إلى يوم كنت تقف على السهول تشاهد بإعجاب طريق النحلة البسيط ويصعب عليك تخطي المشهد. لا تتعمد الحياة ابتلاع أحلام أحدهم أو تخدع دربا صغير فيضطرب ويفقد ملامحه وأسمه ويكاد يضيع, إن هذا إلا شعور السمكة الصغيرة في الحوض الكبير, وليس الشعور حقيقة واقعية.
    حيت تغرق في حياتك الرمادية وحين تغرق في الذكريات الوردية, وحين تغرق وتغرق في المزيد من الحيوات الاختيارية, لا تقل انه لم يتم استشارتك في الأمر ! فقد استوقفتك الحياة عند كل مفترق ومنعطف طرق, ولكنك اخترت أنت عزف ذات الأغنية في كل مرة واستزدت منها, فاختياراتك متعلقة باعتقاداتك ويبدو إن للبعض اعتقاداتك محددة ولم تتجدد منذ يوم أخرجوه من ذلك الحوض الضيق, فيرغب في أن يعيش السنين الأولى من شبابه…طيلة حياته.
    كلنا يرغب في أن يهرب من حوار الأسعار إلى حوار إنساني ذي معنى يضيء الروح ولكني ارغب بان تكن تلك استراحتي وليس حياتي فأنا أرغب بأن أتابع التجديف في سفينتي واطرق كل السبل الجديدة ولن استمع أبداً لذات الأغنية يوميا وليس طريقي " طريق النحل " الدائري على أي حال , لكنه مثله يملئه العطاء ويتخلله الحب وينتهي بالموت.

  3. ليس للحياة فروع أخرى
    إن هؤلاء الذين جاؤوا إلى المدينة الرئيسية من الضواحي أو من القرى ستبقى قلوبهم معلقة بقريتهم يتحسرون عند كل موقف تخونهم فيها قدراتهم المادية ومهاراتهم الاجتماعية يتحسرون على الحياة السعيدة التي كانت في القرية ويترحمون على أيام كانت الحياة سهلة ورفيقة بهم. إن هؤلاء الذين جاؤوا إلى المدينة الكبيرة من قمم ما في مكان ما بغض النظر عن اسمه وعنوانه, لا يدركون إن "الحياة" حياة واحدة وليس لها فروع أخرى , وهي نفسها حياة المدينة والقرية ونفسها حياة المدرسة وحياة الجامعة وحياة الغربة وهي نفسها ما تدعوه الحياة المرة والحياة الحلوة.
    يعتمد الأمر عليك, كيف تتذوق أنت الحياة, كيف ترى الحياة, في كل مرحلة من عمرك سيتضح لك طعم ونكهة جديدة, وستراها بعين مختلفة.
    هل ترى الحياة سفينة تبحر بسرعة لا تستطيع ملاحقتها؟ لا بد انك مثقل بالهموم, إرم بعضا منها ووكل أمرك للخالق وسوف تجاري السفينة إن لم تقدها. هل شوارع الحياة حيادية؟ إعتبر هذا من حسن حظك !
    هل وجوه الحياة في المدينة لا تشي بحنين؟ إنظر إلى المرآة أولا هل يفيض وجهك بالحنين ,إن كان كذلك فأنت لديك مشكلة عميقة , ثم إنني لا أنصحك بالبحث عن الحنين في وجوه المارة. هل طرق المدينة خالية من الحكايات؟ استمع جيدا هناك حكايات تستحق الرواية.
    هل تأخذ الحياة ضريبة ما ؟ أبدا , يعتقد البعض إن ظهور نتائج تصرفات ماضية للشخص هي ضريبة.
    هل تضيع الحياة عمل احدهم أو تضيع درب صغيرة أو كبيرة ؟ ليس هذا من طبع الحياة فقد قلت واعترفت إنها حيادية. هل المدينة باردة؟ إن البرودة إذا تسربت إلى قلبك سترى وستشعر إن المدينة والحياة باردة.
    هل تصفعك الحياة ؟ لا بد انك تستحق ذلك. اعد النظر في توقعاتك, تصرفاتك ورفاق دربك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock