أفكار ومواقف

عدم اليقين كمورد اقتصادي وتنموي

تغير التحولات الكبرى العاصفة التي نعيشها في جميع المؤسسات والموارد والقيم والعلاقات، وفي الوقت نفسه فإن العالم الجديد المتشكل لم يتبين بعد على نحو كاف وواضح بموارده وعلاقاته وقيمه، ولذلك تؤكد المؤسسات الدولية والاستشرافية على الإبداع بالنظر إليه الأداة الأكثر قدرة على قيادة الأعمال والاتجاهات وريادتها، لكن منظومة الإبداع ليست مهارة واضحة ومحددة يمكن اكتسابها على نحو مباشر او تعلمها في دورة تدريبية أو فصل دراسي، هي محصلة بيئة وعمليات ومهارات معرفية متراكمة، وقد يصح وصف المرحلة القائمة بأنها مرحلة اقتصاد المعرفة و أو الإبداع كما توصف بالشبكية و أو الثورة الصناعية الرابعة و أو الموجة الثالثة بعد موجتي الزراعة والصناعة اللتين شكلتا واعادتا تشكيل العالم والمجتمعات والأفراد.
في عصر ما قبل الزراعة كان الانسان يبحث عن موارده وبقائه بالصيد وجمع الثمار ثم في مرحلة أكثر تقدما بتربية المواشي (الرعي) إن تدجين الحيوانات المتوحشة بدأت في مرحلة قريبة وليست بعيدة بالنسبة لعمر البشرية التي مايزال الصيد وجمع الثمار يغلب على حجم ونسبة مسارها، فقد بدأ الإنسان بتدجين الكلاب قبل حوالي أربعة عشر ألف سنة ولم يدجن الجمال إلا قبل ثلاثة آلاف سنة، وبدأ بتربية الكلاب قادرا على الاستقرار والأمان وزيادة بل ومضاعفة الصيد، وبدأ بتربية الجمال قادرا على إنشاء منظومة من التجارة والطرق والمدن والعلاقات التجارية والاجتماعية، بدأت العولمة بالجمل!
وفي الزراعة التي كان سائدا أنها بدأت قبل اثني عشر ألف سنة لكن خبز “شبيكة” في محافظة المفرق ربما يغير فكرة الناس، فقد عرف العالم قبل عدة شهور فقط أنه كان يجري صناعة الخبز وبناء الأفران قبل 14500 سنة؛ بدأ التنظيم الاجتماعي والأخلاقي وصارت تتشكل القرى ثم المدن والسلطات والمؤسسات، وساد الدين النبوي كمصدر للهداية والمعرفة كما التنظيم الاجتماعي والسياسي، وصار الكاهن مصدرا للمعرفة والتداوي وشريكا للحاكم في تنظيم وتوجيه المجتمعات من غير قسوة وإكراه، لكن ذلك لم يكن على نحو مؤسسي ومنظم وسلطوي إلا في القرن الخامس قبل الميلاد على يد عزرا مدعوما بالامبراطورية الفارسية، ولم يستمر سوى قرنين من الزمان، إذ جاء اليونان وأوقفوا التنظيم الديني المركزي الموحد، ثم نهض التنظيم الديني في القرن الرابع الميلادي على يد الكنيسة وبدعم من الامبراطورية البيزنطية وصار هذا التنظيم شاملا وراسخا بعد سقوط روما عام 476م.
وفي عصر الورق تكرست القلعة والهيكل لتنظيم المعرفة والسلطة، ثم في عصر المطبعة ظهر الإصلاح الديني والدولة الحديثة والحق الطبيعي والديمقراطية المركزية والصناعة والرأسمالية والبنوك والشركات،.. لكن في عصر الانترنت تلاشت القلاع والهياكل وصار الكوكب مدنا وأفرادا،.. كانت الفردية ضريبة المطبعة والصناعة وصارت فضيلة الشبكة، وعاد الانسان تائها من جديد؛ لكن بمعرفة متقدمة وحكمة جديدة..
في التحول من الهرمية إلى الشبكية تنتهي المؤسسات والأفكار والفلسفات والموارد والأعمال والأنظمة الهرمية التي صاحبت الدولة المركزية وكرستها المطبعة، وتتشكل أعمال وموارد ومؤسسات وأفكار وفلسفة “شبكية” ففي هذه المساواة التي تنشئها الشبكة تتقدم المجتمعات والمدن، وتصعد الفردية، وتنتهي الاحتكارات والمركزية، يحكم الناس أنفسهم بأنفسهم. ويعلم الإنسان نفسه بنفسه. ويداوي نفسه بنفسه. ولم نعد نملك لتقدير وفهم الحاضر والمستقبل سوى عدم اليقين! ولم يعد الإصلاح أو الاستجابة للتحولات ممكنا إلا بالوجهة الاجتماعية للاقتصاد والسياسة، الوجهة التي تعكس المساواة والمشاركة، على الأقل حتى نتبين القيادات والطبقات والأعمال والمؤسسات الجديدة، ليس أمامنا اليوم سوى اقتصاد اجتماعي، ويسار اجتماعي، وليبرالية اجتماعية، وديمقراطية اجتماعية، وعدالة اجتماعية

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock