أفكار ومواقفرأي في حياتنا

عدوى عبد القادر

أنا مريض نفسي.. حقيقة عرفتُها متأخراً كالمعلومات ذات القيمة، أخبرتني بها زوجتي بصراحة غير جارحة، مرّرتها لي بأسلوب الأطبّاء الخبراء، بعدما كان مديري المباشر قد ألمح لها في نهاية حديث، بدت فيه موجزة كالحكمة، أبي أيضاً قال في زمن سابق شيئاً كهذا، وأقرّ بإصابتي في أكثر من موضع في النَّفس، نقلاً عن مرض وراثيّ سائد، والنساء اللواتي أحببتهنّ وضجرنَ مني، أو اللواتي تركتهنّ ضجراً منّي، كلهنّ اتفقن على أني غادرت “المستشفى” برخصة لم تعد سارية المفعول.
اتفاق عام إذاً، أصلب من التوافق الأمميّ على محاربة “داعش”، يفيد بأني مصاب بأكثر الأمراض النفسيّة شيوعاً، كالصُّداع عقب الولادة القيصرية، أو كحَبّ الشباب بعد الحُبّ الأول. انفصام في الشخصية. نعم أصبتُ بذلك مبكراً، تقولُ أمّي بأسف متأخّرٍ، مستندة بذلك إلى ملاحظات حاسمة من الجارات اللواتي رأين بأعينهنّ الفضولية انفعالاتي العاطفية الزائدة والناقصة، أثناء فترة المراهقة المنحرفة، التي أحببتُ فيها بعبث مشين بنات الحيّ، وبكيتهنّ بمرارة في أحياء أخرى، أثناء عراكي مع ظلّي الذي ظننته امرأة “سِواها”.
مصابٌ أنا بالكآبة في معظم أوقات السنة، وفي الشتاء حين تفرح الناس بالمطر الغزير والثلج الخفيف، تتلبّسُني حالة اضطراب العاطفة الموسمية، وتشتدّ على ملامحي الغامقة أعراض المزاج الحزين المزمن. يتجنّبني الساعي الذي أراه أرنباً، ولو كان صيّاحاً كالديك، وتخافُ حبيبتي السرية، في ذروة الحبّ والنّكد، أن تداعب أرنبة أنفي خشية أن ينساب منها الخيط الأخير من روحي، وعلى كتفي لا يربتُ صديق، ولا تواسيني زميلة، فالكلّ يخشى أن ينتقل “عبد القادر” بالعدوى السريعة باللمس.
التبس الأمر على الناس، فكلّ شيء أفعله أو أقوله، يكون بسبب المرض النفسيِّ الذي لم يؤكده طبيب أشعث الرأس واللحية، فإن جادلت الجارة في الماء القذر الذي يتسرّب إلى بيتي، توشوشُ ابنها الذي كان يهمّ لضربي بكلمتين وإشارة نحو رأسها، فيهدأ، وتستدير معه ضارعة أن يحفظ الله لها العقل والدين، وإن دخلتُ خاطئاً إلى نقاش سياسي عبثيٍّ، فأنا لدى الطرف الآخر عقلي خفيفٌ، كشاي البخلاء، وعصابيّ تعرّضتُ لمحن كثيرة جعلتني هستيرياً، مهلوساً، موسوساً، وأعراض أخرى، منها محرجة، تتعلق بقضاء الحاجة، وقضم أكمام القميص. أغادر مكان الحوار سريعاً، قبل أن تأتي سيّارة الإسعاف البيضاء، وينزل منها رجلان غليظان، يحملان المريول المعكوس، ويأخذانني في مشهد سينمائي مكرور، إلى “السرايا الصفرا”.
أنا مريضٌ نفسي. لم يعد الأمرُ إذاً سراً يحتمل الكتمان، أو أن أخفيه عنكم كحقنة السكري العصريّة، أو أدوية البواسير المخجلة، ولأنّ المرض ليس عيباً طالما لا يمنع قدراتي الاستثنائية على الإنجاب، فإنّي استجبت لنصائح العقلاء والأسوياء منكم بأن أجلس على أريكة الجلد، أشرح الأعراض كمسنّ يتذكّر وجه الحياة في الزّمن العثمانيّ. الطبيب أثارَ ريبتي، خصوصاً أني لم أشاهده من قبل في أيِّ فيلم سينمائي، تجاهلت الشكّ السلبيّ، وأخبرته أني قادم للعلاج من الوسواس القهري، والكآبة المزمنة، ونوبات الصرع، وأظهرتُ أمامه ميولاً عدوانية تؤكد تأخّر حالتي أو تقدمها، لا فرق يبدو، توسّلت إليه أن يعطيني شهادة جادة تؤهلني للدخول إلى “المستشفى الأصفر”. ابتسم باصفرار، وأعطاني رقماً من سبع خانات.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock