أفكار ومواقف

عذراً.. ليس هذا هو المطلوب!

وصف تقرير “الغد” أمس التعديلات التي أجرتها وزارة التربية والتعليم على كتب التربية الوطنية للمراحل المدرسية، بأنّها “تعديلات جوهرية”، تمسّ التعايش الديني وتتحدث عن تاريخ الأردن وعن علاقة المسلمين بالمسيحيين.
ما نزال بحاجة لقراءة معمّقة أكثر لهذه التعديلات. لكن ما أشارت إليه “الغد” من أمثلة على هذه التعديلات، تتمثل في إضافة المسيحيين على سكان الأردن، وصورة للمسجد والكنيسة معاً. بالطبع، أتمنّى أن تكون هذه الإشارات على الهامش، لأنّ هذه التعديلات شكلية وثانوية، في أفضل الحالات، تصحيحها وإدخالها أمر جيّد، لكن ليست هذه معركة المناهج ولا هو المقصود ولا المطلوب في عملية التطوير البنيوية التي يمكن أن تنقل التعليم نقلة نوعية وكبيرة!
نتحدث، هنا، تحديداً عن “العقلية”؛ تطوير التفكير نفسه لدى الطلبة، ليصبحوا قادرين على تقبل الآخر وقبوله أولاً، والإيمان بالتعددية بأصنافها وروافدها المختلفة، وبالحوار كأسلوب في حل الخلافات والتعامل مع الآخرين، وتفسير الدين بما يخدم بناء مواطن صالح محصّن من ثقافة التطرف، وعدم احتكار الحقيقة، وإعادة النظر في كتب التاريخ للتخلّص من “المثالية المفبركة” فيها، والتي لعبت دوراً كبيراً في بناء مخيال وهمي، غير واقعي، لدى الطلبة عن التاريخ والبطولات… إلخ.
من أجل ذلك، كتبتُ محذّراً من تركيز بعض المتخصصين والناشطين في مقالاتهم ومحاضراتهم على قضايا شكلية وجزئية في نقد الكتب المدرسية؛ حتى لا نخرج من المعركة الحقيقية إلى معارك سطحية، لن تغير شيئاً في واقع الحال، وليست هي بيت القصيد في موضوع التربية والتعليم، لكنّها كانت تلقى رواجاً تحت سطوة الخشية من “الداعشية”!
أمس، مثلاً، كتب الخبير التربوي د. ذوقان عبيدات، مقالاً في غاية الأهمية عما سمّاه “التلوث التربوي.. ست ظواهر”، أشار فيه إلى آفات كبيرة حقّاً في التعليم. وكنتُ شخصياً سمعت الوزير يتحدث عن هذه القضايا سابقاً. فلندخل إلى صلب الموضوع إذن، ونصلح التعليم حقّاً، عبر تطوير جوهري وحقيقي للمناهج، ينقل طلبتنا من مرحلة “البصم” والتلقين إلى “الفكر النقدي”؛ ومن العقلية الفردية في الامتحانات، إلى “العمل كفريق”، والذي أصبح مفهوماً بنيوياً في التعليم الحديث وطرائقه، لتعويد الطلبة على العمل الجماعي في قاعة الصف وفي المشروعات البحثية.
تطوير التعليم لا يجوز أن ينفصل عن التفكير في بناء شخصية الطالب نفسياً وفكرياً وبدنياً. لذلك، من الضروري إعادة الاعتبار بقوة للأنشطة الرياضية والفنية والثقافية؛ للمسرح المدرسي، للمطالعة، للرياضات… فهذه الأنشطة هي التي تطوّر الطلبة بصورة حقيقية، وتنمّي قدرتهم على مقاومة التطرف والعنف، وتعزز العيش المشترك، وتخلق جيلاً قادراً على التعامل مع الآخرين، بصورة بنيوية وإيجابية. هذه هي القيم، وليست كلمة فارغة أو صورا لا تقدم ولا تؤخر، تضاف إلى بعض الكتب المدرسية لنصف ذلك بأنّه “إصلاح جوهري”!
كتبتُ (أول من أمس) عن الطبقة الوسطى وصوتها المفكك في الانتخابات. ومثل هذا الموضوع؛ أي التعليم والمدارس، ألا يستنزف الطبقة الوسطى بشرائحها المختلفة، بسبب رداءة المدارس الحكومية؟!
أغلب من أعرف من أبناء الطبقة الوسطى، يدفعون آلاف الدنانير سنوياً على تعليم أبنائهم، ما يستنزف حقّاً بين ثلث إلى نصف دخلهم، ويرهقهم، لأنّ لا أحد منهم يرغب في إرسال أبنائه إلى التعليم الحكومي. لكن إلى الآن، لا يوجد “لوبي” حقيقي لوضع موارد كبيرة في خدمة تطويره، برغم أنّه جزء حيوي من معركة الطبقة الوسطى التي تواجه ضغوطاً كبرى قاسية، أبرزها التعليم!

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. "الطبقة الوسطى"
    لقد اخذ منك التمثيل بالطبقة الوسطى د.محمد حيّزا كبير في تبرير ما تتكبده كفشل للهيئات الخدمية من تعليم وثقافة وسياسة وان كان لابد من التصحيح يجب علينا العودة الى اصل التسمية التي اعتمدت كمصطلح اقتصادي سياسي والحالة النفسية التي تخالجها سلوكا وممارسة ؟؟ والمتمثل بالمنظومة الإقتصادية الراسمالية والإشتراكية والتي تمخض عنها التفسيم الطبقي البغيض وفق مؤدليجها "الطبقة البرجوازية الراسمالية يقابلها الطبقة الكادحة الفقيرة وما يتوسطهم من طبقة تأففت معايشة الفقيرة ولم تصل الى مجاراة الطبقة الراسمالية؟؟ مما جعلها شمّاعة للنقد وتحميلها المسؤولية في عدم قدرة الإشتراكية بمجاراة الراسمالية من حيث القوة حتى تم نعتها بالبروقراطية العفنة" واما الطبقة الراسمالية عملت على بقاءها واستتدراجها من حيث الرغبة الذاتية والسلوكيات التي تساورها (تقاطع المصالح من حيث النفسية ورغباتها) وذلك من أجل ادارة طاحونة عجلة اقتصادها دون الولوج لمرتبتها وللتوضيح انظر كلّما قاربت على الإنقراض يعاد تمويلها اقراضا ومساعدات حتى لاتصدا عجلة طاحونة الراسمالية وإبقائها كحاجز صد ضد الإشتراكية ناهيك عن آثار التمايز الطبقي في المجتمعات من أجل إضعافها حيث يسهل السيطرة السياسية عليها؟؟؟ واما التفسير في صحاح اللغة فهي الأعدل كما اراد الخالق ل الأمة الأسلامية "امة وسطية" اي امة الخيار والعدول وهي الأمة التي تكون مابين النقيضين؟ "وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا"صدق الله العظيم" وليس الوقوف في الوسط مع المتناقضين في تحكيم شرع الله ؟؟ومن الناحية الإقتصادية "والذين انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما" ولنا في الآية الكريمة "والحج لمن استطاع اليه سبيلا " وحتى لانطيل وليس دفاعا عن التعليم الحكومي و او الهجوم على المدارس الخاصة نجد ان الميول النفسية الرغائبية لدى الغالبية ممن يمايزون لتبرير عدم قدرتهم ناهيك عن حب الإستعراض والكشحة ؟؟

  2. اصلاح النفوس اولا
    نشكر الكاتب والخبير المخضرم والسياسي الملتزم فيما يكتب الدكتور محمد ابو رمان ونود ان نضيف بانه لابد ايضا من اصلاح النفوس والعوده الي الاصاله فلم نسمع ابدا من الاوائل السلف الصالح من الاباء والاجداد الذين حولوا صحراء الوطن الي جنات غناء وشيدوا صروحه الشامخه مايفرق بين المسلم وغير المسلم فالنفوس الطاهره تركز على الجوهر ولا تنظر الي القشور مهما كانت لامعه مزركشه فالاصلاح البنوي في الجوهر هو الاساس الواجب الانطلق منه لاصلاح التعليم نوعا وكما والشكر موصول للغد العراء والله الموفق

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock