أفكار ومواقف

عرب “الحقائق البديلة”

بفضل اختياره “كلمة العام 2016” من القائمين على “قواميس أكسفورد” -وهو الأمر الذي يُعزى بدوره إلى الحملة الانتخابية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، وحملة التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي “بريكسيت”- تنبه العالم إلى مفهوم “ما بعد الحقيقة” (Post-Truth)، والذي يرجع استخدامه، بحسب “أكسفورد” أيضاً، إلى العام 1992؛ في مقالة للروائي والمسرحي الصربي-الأميركي ستيف تيسيك، في مجلة “ذي نيشن”.
لكن في مقابل الاهتمام الواضح بـ”ما بعد الحقيقة”، والذي يُعرّف بأنه “يتعلق أو يشير إلى الظروف التي تصبح معها الحقائق الموضوعية أقل تأثيراً في تشكيل الرأي العام من مخاطبة العواطف والمعتقدات الشخصية”، مرّ بشكل عابر مفهوم آخر أشد خطورة على صعيد التضليل وما يترتب عليه، صكه هذه المرة فريق ترامب تحديداً، وهو مصطلح “حقائق بديلة”!
فغداة تنصيب ترامب في كانون الثاني (يناير) الماضي، اندلعت معركة جديدة بين الرئيس وفريقه من جهة ووسائل الإعلام الأميركية الرئيسة من جهة أخرى، بشأن عدد حضور حفل التنصيب، ولا سيما بالمقارنة مع حفل تنصيب الرئيس السابق باراك أوباما. ومع الثبوت القاطع لزيف ادعاء الناطق باسم البيت الأبيض شون سبايسر، في هذا الصدد، دافعت المسؤولة الإعلامية البارزة في فريق ترامب، كيليان كونواي، عن تمسك سبايسر بكذبة مفضوحة، بقولها: إنه “يقدم حقائق بديلة” (Alternative Facts)!
طبعاً، السؤال الأول والتلقائي هنا: هل يمكن أن تكون للحقيقة بدائل؟ فعلى سبيل المثال، وفي حالة ترامب تحديداً، هل يمكن أن تكون “الحقيقة” (الأولى) هي أن عدد حضور حفل تنصيب ترامب أقل بكثير من عدد حضور حفل تنصيب أوباما؛ فيما تبقى هناك “حقيقة!” أخرى “بديلة” ومعاكسة تماماً، بأن عدد حضور حفل ترامب كان أكبر من عدد حضور حفل أوباما؟!
خلافاً لما قد يبدو بدهياً تماماً، فإن الإجابة ليست “لا”! بل وفي عصر “ما بعد الحقيقة، حيث من السهل انتقاء البيانات للوصول إلى أي نتيجة يريدها الشخص”، كما يقول قاموس “أكسفورد” ذاته، فربما تكون الإجابة الأدق عن السؤال السابق هي “نعم”! باعتبار أن “حقائق بديلة” هو أحد أهم مؤشرات (أو أدوات) مفهوم “ما بعد الحقيقة”.
لكن وكما أن ترامب و”بريكسيت”، لفتا النظر فقط إلى “ما بعد الحقيقة”، فإن الفضل الذي يُعزى لفريق الرئيس الأميركي هو فقط بلورة مصطلح “حقائق بديلة”؛ إذ يعود هذا بدوره، على صعيد الممارسة الفعلية، إلى تاريخ أسبق بكثير، كما تؤكد المنطقة العربية على وجه الخصوص.
فمثلاً، تقول “الحقيقة” إن الاستبداد والفساد، وما ينتج عنهما من تخلف على الصعد كافة، مجلبةٌ للهزيمة عسكرياً وسياسياً، ويؤديان حتماً -مهما طال الزمن- إلى الثورة والانفجار. لكن “الحقيقة البديلة” لعرب بيننا، هي أن الاستبداد والفساد “مقاومة وممانعة” و”صمود وتصدي”، وأهم من ذلك أن التمرد على الذل “خيانة وعمالة”!
وتقول “الحقيقة” أيضاً إن إيران تسلمت العراق من الولايات المتحدة لتعمل على استكمال تدميره، ليس اقتصادياً وسياسياً فحسب، بل أهم من ذلك إنسانياً؛ عبر تطهير طائفي على يد مليشيات ترفع رايات دينية طائفية، وبما أدى أساساً إلى ولادة “داعش”. لكن “عروبيي ويساريي الولي الفقيه” يصرون على “حقيقة بديلة!” هي أن إيران ذاتها من ستبني الدولة المدنية في سورية، بل وستتمسك بعروبتها كما تمسكت بعروبة العراق!
لكن إزاء القائمة الطويلة من “الحقائق البديلة” في مواجهة “الحقائق” عربياً، وفي خضم الاحتفال بوأد “الربيع العربي” (لكن إلى حين فقط)، هل من “حقيقة بديلة” لـ”حقيقة” أن العالم العربي لا يزداد إلا تخلفاً على الصعد كافة، وأن فلسطين التي باسمها ارتكبت الغالبية العظمى من الجرائم تختفي أرضاً ويزداد التنكيل بشعبها واضطهاده؟

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock