ترجمات

عرض إسرائيل “الإنساني” لرشيدة طليب جعلني أجفل.. وإليكم السبب

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

تانيا هاري* – (مجلة 972+) 16/8/2019
بصفتي مديرة لمنظمة تعمل على تعزيز الحق في حرية الحركة في غزة، عندما سمعت أن إسرائيل تقدم لكِ الفرصة للقيام “بزيارة إنسانية” لعائلتك، انتابني شعور مألوف بالخجل. خطاب مفتوح إلى النائبتين رشيدة طليب وإلهان عمر.
* * *
عزيزيتيّ النائبتين إلهان عمر ورشيدة طليب.
كان من المفترض أن نلتقي مساء الأحد المقبل. وقد سررت جداً عندما سمعت أنكما قررتا إدراج قطاع غزة ضمن خط سير الرحلة -مجازياً إن لم يكن حرفياً، بالنظر إلى أنكما لن تكونا قادرتين على السفر فيزيائياً إلى هنا. وكنت قد رتبت لمحادثة بواسطة “سكايب” مع الشباب الفلسطيني في غزة. وباعتباري مديرة منظمة تعمل على تعزيز الحق في حرية الحركة في الأراضي الفلسطينية، “منظمة غيشا”، فإنني كنت محظوظة لأنني دُعيت لتقديم سياق للظروف والأسباب التي تمنع هؤلاء الشباب ببساطة من عبور المسافة القصيرة نسبياً من غزة إلى القدس للالتقاء بكما شخصياً.
النائبة عمر.. أنا مواطنة أميركية مجنَّسة؛ أميركية-إسرائيلية. وقد ولدت في حيفا، وأخذني والداي الشابان آنذاك، والمصممان على الدراسة في الولايات المتحدة، أنا وشقيقتي إلى لوس أنجلوس، حيث نشأت وتربيت. وبينما كنتُ في الخامسة من عمري، ساعدت والديَّ على تعلم “تعهد الولاء” عندما أديا يمين الجنسية الأميركية. وتتحدث خبرتكِ إليَّ بعمق كإنسانة تشعر بأنها في وطنها في أميركا وتفتخر بتقاليدها المتمثلة في الترحيب بالغريب، والتي تتطلع إلى كيفية استخدام الولايات المتحدة سلطتها للنهوض بالآخرين، في الداخل والخارج على حد سواء. وأنا آسفة للغاية لأننا لن نتمكن من الاجتماع، لأن قدومكِ إلى هنا محظور من قِبل البلد الذي أسميه الآن الوطن.
لقد شكلت القدرة على السفر والانتقال تاريخي الشخصي وتاريخ عائلتي. كان أجدادي وآباؤهم قد فروا من الظروف المضطربة والخطيرة التي سادت في جميع أنحاء أوروبا وشمال إفريقيا للوصول إلى فلسطين، التي أصبحت فيما بعد إسرائيل. وقد بحث والداي عن فرص أفضل في أميركا، ثم جاء دوري أنا التي عدت إلى إسرائيل للبحث عن عمل مفيد أقوم به لتعزيز حقوق الإنسان، والتي تكون جزءاً من الكفاح من أجل إنهاء الاحتلال.
عندما وصلت إلى إسرائيل، قبل 12 عاماً، منحني جواز سفري مدخلاً سهلاً، بل إنني حظيت بالمديح أيضاً لكوني “عدت”، وهي امتيازات منحها لي كوني مولودة لأبوين يهوديَّين إسرائيليين. وعندما وصلت، عرفت المزيد عن القيود المفروضة على التنقل التي يواجهها الفلسطينيون، وعن التمييز الذي يُمارَس ضد المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، وعن الفلسطينيين الذين يتوقون إلى رؤية وطنهم في الشتات، من دون أفق حقيقي لتحقيق أحلامهم في مجرد الزيارة، ناهيك عن العودة. وتعلمت أن لا آخذ على محمل المسلّمة قدرتي على السفر كما أريد.
النائبة طليب.. كان أحد الأسباب التي جعلتني آتي إلى إسرائيل هو أن أكون مع جدتَيَّ، وكلتاهما عاشتا في حيفا ورحبتا بي بحرارة. إحدى جدتَيّ، “سافتا” باللغة العبرية، ما تزال على قيد الحياة. ونحن نختلف بشدة على السياسة، لكنها تعلمني أن أكون متسامحة مع أولئك الذين أختلف معهم. وأنا أحبها كثيراً. وقد مزقتني حقيقة أنكِ خططتِ لزيارة “ستك” ولن تتمكني من رؤيتها الآن. لا يمكن الاستغناء عن حب الجدة، ومن العار على كل من رئيسي في الولايات المتحدة ورئيس وزرائي هنا في إسرائيل حرمانك من معانقتها.
عندما سمعت أن الحكومة تقدم لك الفرصة للقيام بزيارة “إنسانية” لعائلتك، شعرت بذلك الحرج وبالانكماش المألوف. لقد تم عزل قطاع غزة تدريجياً أكثر فأكثر عن الضفة الغربية وإسرائيل على مدار عقود، لكن إسرائيل قامت في العام 2007، عندما تولت حماس السلطة في القطاع، بإغلاق المعابر أمام الجميع باستثناء ما تسميه “الوصول الإنساني”.
في الواقع، ليس ثمة ما هو إنساني على الإطلاق في إغلاق غزة. للدخول والخروج من مناطقهم، يحتاج الفلسطينيون إلى طلب تصاريح من الجيش الإسرائيلي. وللتأهل للحصول على تصريح، يتعين عليهم تلبية أحد المعايير الصارمة. ولسوء الحظ، فإن الأمن بعيد عن كل البعد عن أن يكون المعيار الوحيد، كما يتطلب القانون الدولي.
إذا كنتِ مقيمةً في غزة، فإن زيارة جدتكِ في الضفة الغربية هي أمر غير وارد. وإذا كنتِ ترغبين في زيارة والدتك، فسيتعين عليها أن تكون إما محتضرة أو ميتة -آسفة لاضطراري إلى قول هذا بصراحة. وسيكون عبء إثبات أنها تُحتضر بالفعل، وليس مريضة للغاية فحسب، على عاتقك. وإذا كانت جنازتها قد أقيمت قبل أن تحصلي على رد، فإنه يمكن للسلطات الإسرائيلية أن تخبرك بأن فترة الحداد قد انقضت ولا يوجد “سبب إنساني” لسفرك. وتستند هذه العبارات إلى القصص الحقيقية لعملائنا في منظمة “غيشا”.
هذا هو السبب في أن كلمة “إنساني” في أفواه أعضاء حكومتي تصيبني بالخجل والغثيان.
عندما يتعلق الأمر بالشباب، الذين يشكلون الغالبية العظمى من سكان قطاع غزة البالغ عددهم مليوني نسمة -في الواقع تقل أعمار 70 في المائة من السكان عن 30 عاماً- فإن لديهم أملا ضئيلا جداً في تلبية أحد معايير السفر إلى خارج القطاع. ولن تكون مقابلة أعضاء الكونغرس الأميركيين سبباً كافياً لمنح تصاريح سفر لهؤلاء الشباب، حتى لو أنهم اجتازوا الفحص الأمني.
آمل أن تتمكنا من التحدث إلى الشباب الذين كان من المفترض أن تسمعا منهم يوم الأحد. إنهم يستحقون أن يُسمعوا وأن يُشاهَدوا. لا يمكن إخفاء واقعهم خلف الجدران ونقاط التفتيش. وأنا شبه متأكدة من أنهم -إلى جانب المأساة التي تصنعها ظروفهم- سوف يشاركونكما أيضاً وصف الإمكانيات الهائلة لقطاع غزة وسكانه. من حسن حظي أنني أسمع أحلام الناس والأسباب التي تجعلهم يأملون في السفر، وأنا محظوظة لقيادة منظمة تساعدهم على اجتياز البيروقراطية العنيفة لنظام تصاريح الجيش الإسرائيلي -والتغلب عليها في العديد من المناسبات.
لطالما كان للقوة الأميركية دور فعال في إحداث تغيير في السياسة هنا، والذي أدى إلى تحسين حياة الناس. وقد أفصحت الولايات المتحدة منذ زمن بعيد عن رؤية لإنهاء الصراع. وفي حين لم توقف القوة الأميركية انتهاكات حقوق الإنسان، التي هي شأن بنيوي وملازم للاحتلال -بل وسهلت ذلك في بعض الأحيان- فإنه يمكننا أن نفترض بأمان أن النفوذ الأميركي كان عاملاً في كبح جماح بعض من أخطر استخدامات القوة هنا.
إنني آسفة للغاية لأننا لن نتمكن من الاجتماع. كنت أرغب في التحدث إليكما عن كيف يمكننا العمل سوياً لفتح غزة وإطلاق الإمكانات المذهلة لشبابها. وآمل أن تستمرا في استخدام نفوذكما والمنصات المتاحة لكما للنضال من أجل مستقبل أفضل للأميركيين والإسرائيليين والفلسطينيين. إن التغيير الذي تخشاه حكوماتنا جميعاً هو شيء في متناول أيدينا.

*المديرة التنفيذية لمنظمة “غيشا” -المركز القانوني لحرية التنقل.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Israel’s ‘humanitarian’ offer to Tlaib made me cringe. Here’s why

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock