أفكار ومواقف

عروبة وإنسان.. عند الطلب

بكل المعايير الإنسانية والأخلاقية، يُفترض أن يكون غريباً، على الأقل، أن يُمنّي بعض العرب “العروبيين جداً” أنفسهم أن يكون الرد الروسي على إسقاط تركيا طائرة السوخوي، بتكثيف القصف على السوريين المعارضين لنظام بشار الأسد؛ مدنيين كانوا أم مسلحين! ويمكن توقع قيامهم الآن بتبادل صور مجزرة أريحا بريف إدلب أمس، مرفقة بعبارات الاحتفال بالنصر، وقد أزهقت الغارات أرواح أكثر من 40 سورياً في سوق شعبية.
السؤال الأساس هنا ليس أبداً عن مبرر هذا العشق لروسيا والحقد على تركيا. المسألة الأهم والأصل بشأن هذا الاحتفاء بالقتل، هي عن أصل الحق المزعوم من قبل هؤلاء في المطالبة بقتل مزيد من السوريين، ناهيك عن تبريره!
طبعاً، الإجابة معروفة؛ فباسم “الأمة العربية الواحدة”، يحق لعروبيين وأمميين التقرير نيابة عن كل عربي. وهنا لن نعود إلى السؤال الأول عن غياب هذا الحق ذاته قبل “الربيع العربي”، بحيث لم يبادر المدافعون عن قتل السوريين اليوم إلى إطلاق سراح سجين واحد في معتقلات الأسد منذ عقود! يكفي حالياً النظر إلى ما يحدث في العراق على يد المليشيات الطائفية المدعومة من إيران؛ فلماذا لا يُعلي “القومجيون” صوتهم إدانة لهذه المليشيات وداعميها؟ أم أن العروبة -وحقها في التدخل في شؤون الغير- انتقائية، يتم استخدامها عند الرغبة والطلب؟!
يمكن حل هذا التناقض بأنه لم يبق من عروبة هؤلاء المدعاة، إلا ما يكفي لفرض ما قرروه منذ سنوات طويلة، بأن خيار العربي الذي باسمه يتحدثون –ويا للمفارقة- هو بين أن يكون إيرانياً أو إسرائيلياً أو تركياً، وليس الانتماء لروسيا الآن إلا إضافة على تنويعة خيارات الانتماء “القومجية” لكل ما هو غير عربي! وبذلك، يكون مبرراً تماماً الصمت على المذابح بحق العراقيين، كون العراق لم يعد عربياً منذ سلمته الولايات المتحدة لإيران، فيما لعنة السوريين عروبتهم التي تشبه تلبس الشيطان جسدهم، والذي يجب طرده بأساليب الشعوذة القاتلة، وهي اليوم صواريخ وقذائف، بدل الضرب!
وإذا بدا ذلك غريباً بدوره، فإن ثمة مبررا للتخلي عن الانتماء العربي، فعلياً وواقعياً، كما التخلي عن الإنسانية؛ إنه المقاومة والممانعة وتحرير فلسطين! لكن، حتى الفلسطيني عند “القومجيين” ليس أكثر من “إنسان عند الطلب” فقط؛ تحدد التباكي على إنسانيته هوية سجّانه أو قاتله. هل تذكرون عمليات تهجير فلسطينيي العراق على يد مليشيات إيران عقب الغزو الأميركي؟ وهل تذكرون الصمت إزاءها؟ والأسوأ أنه حتى عند تذكر إنسانية الفلسطيني في مواجهة إسرائيل والأنظمة “غير القومية”، فإن ذلك يكون بالقدر الكافي فقط لـ”الردح” للعرب المتخلين عن الفلسطينيين، مع أن المفروض أننا قدمنا لإيران أربع عواصم عربية لتحرير فلسطين!
وليس الفلسطينيون وحدهم “بشرا عند الطلب”، بل السوري والعراقي إنسان يستحق كل تعاطف إن قُتل في مناطق سيطرة النظامين الحاكمين هناك، وهو على العكس من ذلك تماماً، حتى لو كان ابن القتيل الأول، إن قُتل على يد القوات الحكومية ومليشياتها الإيرانية!
إزاء كل ذلك، هل كنا نحتاج حقاً مؤامرة غربية لتمزيق الأمة كما يدعي أنصار الاستبداد والفساد، أم أن هؤلاء يكفون وزيادة؟!

‫3 تعليقات

  1. فلسطيني المرحله ….
    تعقيبا على مقال الكاتب منار الرشواني في الغد بعنوان " عروبه وانسان .. عند الطلب " يوم 30/11/2015 ومع عميق احترامي للكاتب اقول ..
    …. وبما انه حتى اللحظه ومنذ سنوات لم تشر الاحداث لتغييرات في الوضع السوري او العراقي الا مزيدا من القتل فتبقى الامور كما هي … الا انني اوجه بوصلتي صوب الوضع الفلسطيني والتي اظهرت تغيرات جوهريه في حياته منذ الشهرين الفائتين .. قلبت كل الموازين والتنبؤات …
    باعتقادي ان التغيير الاهم هو ان الفلسطيني وبعد دراسته للوضع العربي حوله ايقن انه لا يمكن الركون او التعويل عليه .. فاستلم مجذاف قاربه يغوص به عباب البحر وحده .. والامر الاخر .. وهذا ما تظهره المرحله القادمه من حياته .. ان فلسطيني المرحله القائمه لن يقبل ان يكون عند الطلب… وكذلك بعد ان رسم دربه بدمه لن يطالب ببواكي له .. فمنه الدم .. ومنه البواكي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock