تحليل إخباري

عزام الأحمد ومآلات الفشل في استعادة الصوت الفلسطيني

سامح المحاريق

بهدوء وثقة ولغة انجليزية جيدة كان غسان كنفاني يجيب على أسئلة الصحفي الأسترالي ريتشارد كارلتون، وفي مرحلة من الحوار تمكن من اختطاف سلس لسلطة التساؤل من صحفي مخضرم، وأمام هذه الكاريزما كان الرادار الإسرائيلي يحدد هدفه بالتخلص من كنفاني لتجريد الفلسطينيين من أحد أدواتهم التواصلية الحضارية الملهمة، وبالفعل تمكنت اسرائيل من اصطياد كنفاني وغيره من الممثلين المتميزين للقضية والثورة الفلسطينية، ويمكن وصف ما قامت به اسرائيل بعملية الاصطفاء السلبي والدموي للنخبة الفلسطينية.
أهملت اسرائيل في المقابل ظواهر صوتية تعرف جيداً أنها تلحق الضرر بصورة الفلسطينيين كلما تفوهت بكلمة أو أطلقت تصريحاً، فلا شيء سوى الجعجعة والمكابرة والذاتية المنغلقة على موقع تنظيمي لم يعد يمتلك أي صلاحية خارج العالم الصغير الذي تمثله السياسة الفلسطينية ومراحل تواضعها من الفضاء العالمي إلى البؤس المحلي، فكانت تكتب وما تزال فصولاً في كيفية تحول الثورة ووعودها وطموحاتها إلى مجرد بلدية غارقة في المشاكل.
لم يكن غسان منصفاً في حديثه عن الأردن، ولكن ذلك كان سيتغير مع الوقت لأنه ببساطة رجل عاقل وبراجماتي يعرف الفرق بين الاستراتيجي والتكتيكي، على الأقل قياساً بمواقف اليسار الفلسطيني مع جورج حبش ونايف حواتمة، أما الظواهر الغارقة في الذاتية والأنانية مثل عزام الأحمد فلم تتعلم من أخطائها مطلقاً، ويعود الأحمد من جديد ليستفز الأردن وهو يتحدث عن عنترية المواجهة مع الأميركيين وينسب إحباط صفقة بصورة منفردة للقيادة الفلسطينية.
الواقعية السياسية تحتم الاعتراف بأن احباط الصفقة لم يكن في المرتبة الأولى إلا نتيجة لسقوط الرئيس دونالد ترامب في الانتخابات الأخيرة، أما مقاومة الصفقة ونهجها التصفوي فكان اشتباكاً أردنياً وفلسطينياً، وبحسابات الربح والخسارة فإن الأردن تحمل ثمناً أعلى خلال الأشهر الصعبة من رياح السموم الأميركية والتطبيعية التي ضربت المنطقة، فالفلسطينيون لم يكن أمامهم خيارات كثيرة، ولسان حالهم كان يرتكن على أمثولة: أنا الغريق فما خوفي من البلل؟
ربما ينتاب البعض الشعور بأن السلطة الفلسطينية تعايش في هذه المرحلة حالة من التمسك بالوضع الراهن لعدم توفر المشروعية اللازمة للمضي قدماً، وكان النكوص عن الانتخابات الرئاسية والتشريعية يكشف هروباً للوراء وتجنباً للحظة الحقيقة التي تبين الوزن الحقيقي للقوى المؤثرة في الشارع الفلسطيني، أما الأردن فمن مصلحته العمل على تسوية معقولة تجنبه الاستمرار في حالة اللا يقين الإقليمية التي تشوش خطط الأردن وتوجهاته المستقبلية، وكم يمثل ذلك حملاً ثقيلاً على الأردن يستحق اعترافاً فلسطينياً رسمياً.
في وجود هذه المسلكية من المنتفخين بذواتهم داخل السلطة الفلسطينية، فإن الفلسطينيين يخسرون مع الوقت ظهيرهم العربي، وتقتنص اسرائيل الفرصة لتقدم نفسها، فالأفضل أن تعمل الدبلوماسية الفلسطينية على احراج الدول العربية أمام شعوبها من خلال عملية إدماجها في الشأن الفلسطيني لا أن تسمح بالحصول على مخارج وذرائع للتملص من المسؤولية القومية تجاه القضية الفلسطينية، فليس الأردن وحده الذي يجري تجاهله، فمصر والكويت ودول أخرى وقفت بجانب الفلسطينيين في الأزمات الأخيرة كانت تستحق الإشارة ولو من باب المجاملة من شخص يفترض أنه يتحدث نيابة عن الشعب الفلسطيني، مع أنه لا يمتلك لا المشروعية ولا الجدارة ولا القدرة ليفعل ذلك، وتتواصل الشيخوخة في أدوات السلطة الفلسطينية التي لم تنجح في بناء جيل جديد يستطيع استعادة صوت القضية الفلسطينية في شكله ومحتواه.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock