كاريكاتير

“عزلة” الأطفال عن الأسرة والاكتفاء بالأصدقاء.. هل تستدعي القلق؟

تغريد السعايدة

هل يمكن أن يكون الطفل حبيس علاقات صداقات المدرسة فقط؟، وأن يجد خلال العطلات المدرسية مساحة جديدة تمنحه علاقات اجتماعية تنمي شخصيته وإن كان ذلك على حساب العلاقة مع الأهل؟

تلك أسئلة تدور في بال العديد من الأمهات عن أطفالهن الذين يكتفون بصداقات المدرسة خلال ساعات الدوام، ومن ثم البقاء على تواصل من خلال الهواتف الذكية معهم خلال بقية اليوم، وهذا يجعل الأمهات في حيرة من أمرهن إن كان هذا الأمر إيجابيا أم سلبيا.

والدة المراهقة جود، ترى أن ابنتها منذ بدء العطلة الشتوية وهي على تواصل مستمر مع صديقاتها في المدرسة، وكثيرا ما تمتنع عن الخروج من المنزل أو التواجد مع “فتيات العائلة”، وتكتفي بعلاقتها مع صديقاتها في الصف، وعادةً ما تتفق على اللقاء بهن للتسلية والتواجد خلال العطلة.

وتبين والدة جود، أن هذا الأمر بات مقلقاً أحياناً لها، خاصة وأنها “شبه منعزلة عن العائلة”، وتبقى لساعات على الهاتف تتواصل مع صديقاتها، وفي كثير من الأحيان لا تشارك أسرتها المناسبات العائلية، وترى أن المتعة والتسلية فقط مع صديقاتها اللواتي يشتركن معها في الأحاديث والاهتمامات وكذلك الأفكار والمواقف المضحكة التي مرت معهن.

ووفق دراسات علمية نفسية تتعلق بعلاقات الأطفال مع غيرهم، فإن الصداقة المبنية على أسس ناجحة للطفل ضرورية كونها تساعده على الخروج من العزلة التي يمكن أن يشعر بها بين الحين والآخر، كما أنها تساعده على التطور النفسي والجسدي والاجتماعي كذلك والتفاعل اللفظي مع الآخرين، وتطور لغته.

لذلك، ظهرت هذه الفجوة، كما تقول الأمهات، مع وجود العطلة الشتوية التي من الأصل أن تكون للعائلة والأقارب في التواصل، وهنا، يبين الاختصاصي التربوي النفسي الدكتور موسى مطارنة، أن المدرسة مساحة وعالم مفتوح لبناء شخصية الأطفال، وتمثل التفاعل والتواصل والتدرب على مهارات الاتصال والتواصل وبناء العلاقات ومفاهيم الصداقة.

كما يرى مطارنة، أن بلورة هذه المفاهيم عند الأطفال من خلال العلاقة القائمة بين أقرانهم وزملائهم، والطالب المتفاعل الذي يستطيع بناء علاقات أكثر تكون لديه شخصية مرنة قادرة على التعامل مع الآخرين وجاذبية على استحواذ الآخرين وبناء العلاقات الإيجابية معهم، في حين أن الطالب غير القادر على بناء تلك الصداقات يكون لديه مشكلة في مفهوم الذات والرهاب والتفاعل الاجتماعي.

ومن هنا، على الوالدين حينما يلاحظان أن ابنهما غير قادر على بناء الصداقات أن يعرضاه على مدرب أو معالج سيكولوجي، وفق مطارنة، حتى يتدرب على هذه المهاراة، فالصداقة علاقة إنسانية جميلة يحتاجها في مختلف مراحل حياته، وتساعد على توسيع مداركه وبناء ثقافة الحب والوفاء والانتماء للآخرين.

وفي الجانب ذاته، تتفق شيماء موسى، والدة لثلاثة أطفال، مع ما سبق، فهي تعاني مع عزلة ابنتها ذات الستة عشر عاماً، كونها لا تخرج من البيت كثيراً، وتعتذر عن الخروج معها كذلك، ودائماً ما تتذمر أمام والدتها كونها لا تجد متعتها إلا مع صديقات المدرسة اللواتي يقضين الآن عطلة ما بين الفصلين، وهنا تنبهت الأم إلى عدم قدرة ابنتها على الانسجام مع أشقائها وبقائها على اتصال مع صديقاتها.

وتتساءل موسى، كما باقي الأمهات، بأن الهواتف الحديثة وتوفيرها للأبناء باتت متنفسا ومهربا لهم للتواصل مع أصدقائهم فقط، وهل يمكن أن يكون ذلك سببا في انعزالهم الأسري والاكتفاء فقط بالأصدقاء، خاصة مع وجود أصدقاء افتراضيين كذلك، من خلال التواجد عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة.

وتصف موسى علاقة أبنائها ببعضهم بعضا، بأن الابنة الكبرى قليلة التواصل والتفاعل مع أشقائها الأصغر سناً منها، على الرغم من عدم وجود فارق عمري كبير بينهم، ولكن وجودها لفترة طويلة تتواصل مع صديقاتها جعلها تكتفي بهن وتنمي علاقتها وأفكارها معهن، بحجة أنهن في المرحلة العمرية ذاتها وتجمعهن الكثير من الأفكار والاهتمامات، وكذلك يومياتهن في المدرسة من متابعة للدروس ومواقف يومية تحدث بينهن.

وفي المستقبل، هذه الصداقات لها فائدة كبيرة في تنمية قدرات الطفل الإنمائية، كما يقول مطارنة، وتترك لديه حالة من الراحة النفسية والتوازن، كما أنها في هذا الوقت تجعله يحب المدرسة، حيث إن صداقات المدرسة لا تنتهي، وتبقى ذكرى جميلة وتترك أثرا كونها صداقة بريئة وتشارك في الأنشطة والهوايات واللعب والدراسة.

الاختصاصية التربوية الدكتورة سعاد غيث، تبين أن علاقات الأطفال على اختلاف أعمارهم لها العديد من الإيجابيات، إلا أن هناك سلبيات كثيرة تظهر حين يزداد الأمر على الحد الطبيعي، ولكن من الصعوبة بمكان أن يمنع الكثير من الأهل الهواتف عن اليافعين تحديدا.

لذلك، تؤكد غيث أن الأطفال يجب أن يكون لديهم مساحة من الحوار والحديث الذي يتبادلونه مع ذويهم في كل يوم، حتى لا تنقطع سبل التواصل بينهم، خاصة وأن اليافيعن أو المراهقين لديهم تعلق شديد بالهاتف والعالم الافتراضي، والتواصل “الإلكتروني” مع أصدقائهم، وقد يتبادلون الكثير من الأحاديث والمواقف والمقاطع فيما بينهم.

وفي الوقت ذاته، تخشى غيث أن يؤثر هذا التعلق بالتواصل الافتراضي مع الأصدقاء على التواصل الطبيعي الاجتماعي بين الابن والأهل، وهنا يجب على الأهل التدخل وفرض وجودهم في حياة الأبناء، من خلال الحوار المتواصل، وإخراجهم من هذه العزلة، حتى وإن كانت مؤقتة، حتى لا يعتاد الابن ذلك الحال، وأن يتعلم الموازنة بين علاقته بأهله وبأصدقائه في الوقت ذاته.

اقرأ أيضاً:

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock