ترجمات

عزيمة المحتجين العراقيين التي لا تلين

رانج علاء الدين* – (معهد بروكينغز) 31/1/2020

تتّسم الحركة الاحتجاجية في العراق بعزيمة كبيرة. فمنذ أشهر، يحتشد عشرات الآلاف من العراقيين في أرجاء بغداد والجنوب ضدّ الحكومة، مطالبين بخدمات أفضل ومساءلة وإصلاحات شاملة للدولة العراقية. ومنذ أن اندلعت الاحتجاجات، قُتل أكثر من 600 شخص وجُرح الآلاف غيرهم، وفقاً لمنظّمات حقوق الإنسان. وكان من المتوقّع أن تعلن تداعيات اغتيال القائد الإيراني قاسم سليماني خمود الحركة، لكن حتّى ذلك لم يفلح في أن ينهي بشكل حاسم ما يُعد التعبئة الشعبية الاجتماعية-السياسية الأكبر في تاريخ العراق.
لا يمكن لوم العراقيين على رغبتهم في أن تقدّم حكومتهم أكثر مما تقدّم الآن. فالبلاد على شفير الانهيار الاجتماعي-الاقتصادي نتيجة للزيادة في عدد السكّان الشباب والتراجع الاقتصادي والبنية التحتية المهترئة. ومن المتوقّع أن يصل عدد السكّان الذي يفوق ثلاثين مليون شخص إلى خمسين مليوناً في غضون عقد من الزمن. وفشلت الطبقة الحاكمة في الاستجابة إلى مطالب الشعب وفقدت المصداقية، لا بل القدرة على طمأنة الشعب على الرغم من مئات المليارات من الدولارات التي أُنفِقت على مدى العقد المنصرم.
لقد ظنّت الطبقة الحاكمة العراقية أنّ خطر الإرهاب والحرب على تنظيم “داعش” والتقاتل المذهبي يمكنها تحويل الانتباه عن إخفاقاتها في الحوكمة والفساد المستشري إلى ما لا نهاية (والممكّن سياسياً). وقد استغلّت الطبقة السياسية خطاباً قوياً تَرسّخ في أوساط داعميها وفي بعض الدوائر السياسية في واشنطن والعواصم الغربية الأخرى، والذي يقارن شكاوى البلاد ونكباتها بالحالات المتطرّفة التي شهدتها الحرب الأهلية في فترة حكم حزب البعث. ونشر هذا الخطاب فكرةَ أنّ العراق وحكومته منتعشَين الآن. وترسّخت هذه الفكرة بشكل خاص في فترة الحكومة الماضية برئاسة حيدر العبادي. بيد أنّها تجاهلت قضايا كامنة متجذّرة حفّزت جيلاً كاملاً من العراقيين التوّاقين إلى مستقبل أفضل.
لكنّ الفرص ليست في صالح المحتجّين العراقيين. فالبيئة غير مواتية لقيام تفكيك شامل للدولة تليه إعادة إعمار لها ولنظامها السياسي. وما تزال الجهات الفاعلة البارزة في العراق والخارج التي تريد تغييراً ثورياً يقضي على النظام السياسي الذي نشأ بعد العام 2003 قليلة جداً -إن لم تكن غائبة. وربّما يترتب على المحتجّين العراقيين أيضاً القبول بواقع أنّ المجتمع الدولي منحازٌ إلى الطبقة السياسية العراقية (وحتى إلى الميليشيات التي تقمعهم بشدّة) أكثر بكثير ممّا يعتقدون. وثمة الكثير الذي على المحكّ، ويشوب بيئةَ ما بعد الحرب في العراق والمنطقة الكثيرُ من الغموض الخطير بشكل يحول دون تفكير أيّ جهة فاعلة خارجية بارزة في دعم محاولةٍ لتغيير النظام السياسي في العراق.
يكمن جزء كبير من التحدّي للمحتجين في أنّ النظام السياسي العراقي مُصمَّم بشكل يجعله منيعاً أمام أيّ إعادة هيكلة جذرية؛ إذ تسيطر مجموعة واسعة من الجهات الرسمية وغير الرسمية وجهات حكومية وشبه حكومية على هيكليات الحوكمة والسلطة وترسم معالمها وتديرها. وتعاني البلاد تراكماً ضخماً من السلاح والمجموعات المسلّحة وغياب المؤسّسات القابلة للاستمرار وسلطاتِ بديلةً متعددة تحلّ محل الدولة العراقية. وتقع الكثير من المناطق خارج نفوذ الحكومة وسلطتها، وهي مناطق تتوزّع فيها السلطة بين الأحزاب والميليشيات والقبائل ورجال الدين.
نتيجة لهذه الديناميات، وعلى عكس الاحتجاجات في الجزائر والسودان، يرجح أن تبقى النخبة الحاكمة في العراق في السلطة، حتّى لو بلغت الاحتجاجات الكتلة الحرجة. بمعنى آخر، النظام الحالي باقٍ، إلا في حال تدميره عبر اجتياح خارجي أو حرب أهلية في البلاد بأسرها (وهذا بحدّ ذاته يتطلّب فائزاً حاسماً) أو دكتاتورية أخرى تستلم زمام السلطة عبر انقلاب مثلاً (وحتّى عندئذ، قد يسوء وضع العراقيين أكثر).
كما يجعل الوضع خطراً للغاية على المحتجّين مستوى الحصانة الذي تتمتع به الميليشيات والقوى الأمنية التي تسمح بها الدولة في قمعها المدنيين. فالعراق واقع تحت سيطرة ميليشيات غير خاضعة للمساءلة وتتمتّع بسلطة ونفوذ هائلَين، ويُعزى ذلك في جزء كبير منه إلى أنّ هذه المجموعات استغلّت هشاشة الدولة العراقية وجمعت كمّيات كبيرة من السلاح والموارد الأخرى واستفادت من الرعاية الخارجية واستغلّت كلّ ذلك لكسب التفوّق السياسي.
تأسّست قوّة الحشد الشعبي التي يبلغ عديدها مائة ألف عنصر مثلاً كَردٍّ على انهيار الجيش العراقي، عندما استولى تنظيم “داعش” على الموصل في العام 2014. وهي خاضعة لمجموعات مؤيّدة لإيران وتشكّل رأس حربة القمع الجاري بحقّ المحتجّين. وقوّة الحشد الشعبي هائلة لدرجة أنّها ضمّت إلى الجيش التقليدي العراقي. وفي حال كان من الممكن أن يتصوّر المرء يوماً أنّ الجيش سيحمي المحتجّين من فظائع الميليشيات الشيعية، فمن الأكيد أنّ ذلك ما عاد ممكناً.
كانت الفكرة السائدة قبل الأزمة الراهنة أنّ الحشد الشعبي قوّة غير متجانسة تضمّ مجموعات قوميّة أو مؤيّدة للدولة، والتي ستحول دون استئثار الجهات الوكيلة لإيران بالسلطة، وأنها مجموعات ستؤدّي دور الحاجز الذي يعزل الشعب العراقي عن العنف والفظائع. لكنّ الآمال المعقودة على تعددية الطبقات التي اتّسمت بها قوة الحشد الشعبي أتت في غير مكانها. والواقع هو أنّه ما من جهة قارعت الجهات الوكيلة لإيران في عزمها وضراوتها الشديدين في استغلال مؤسّسات قوية كقوّة الحشد الشعبي كأداة لها والاستئثار بها. وقد تمّ الاستخفاف بذلك بشكل كبير في تحليل هذه المجموعات.
أصبحت فرص المحتجين تتضاءل أكثر فأكثر لأنّهم فقدوا العنصر الأهم الذي يَقيهم من الميليشيات المسؤولة عن قتل المدنيين وإصابتهم. فقد كان مقتدى الصدر والحركة الصدرية التابعة له عنصرَين غاية في الأهمّية في حمايتهم من هذه المجموعات. لكن الصدر أبرم اتّفاقاً في الأسابيع الأخيرة مع الحكومة العراقية والجهات الوكيلة لإيران، والذي أفضى إلى سحب دعمه. وتعني طبيعة الحركة الاحتجاجية غير المتبلورة بعد أنّ أعدادها ستزداد. بيد أنّ الفكرة القائلة إنّ الحركة يمكنها الصمود والاستمرار من دون الغطاء الحامي الذي تؤمّنه جهة واحدة على الأقلّ من الجهات السياسية الأبرز في البلاد هي فكرةٌ خطيرة للغاية واحتمالاتها ضئيلة للغاية.
أما وقد قيل هذا، فقد تنتعش بعض حظوظ المحتجّين أيضاً. فالعراق معروف بتحالفاته واتفاقاته السياسية الهشّة. وبالتالي، إذا كان بوسع المحتجّين التعويل على شيء فهو الفرص التي قد تبرز نتيجة للطبيعة المشاكسة للمشهد السياسي. وينبغي على المحتجّين حشد الدعم بسرعة من جهة سياسية عراقية بارزة واحدة على الأقلّ عقب سحب الصدر دعمَه. وقد يطال ذلك أيضاً مؤسّسات مهمّة على غرار الجيش العراقي ذي التدريب الأميركي الذي حارب الجهات الوكيلة لإيران في الماضي. وعلى الرغم من أنّ تدخّل الجيش ما يزال مستبعداً فإنه ليس غير محتمل، ولا سيّما إذا برز بعض الدعم النشط من جهات فاعلة خارجية على غرار الولايات المتحدة.
بيد أنّ نهج المحصلة صفر الذي تعتمده الحركة، عبر الدعوة إلى تغيير شامل للنظام السياسي، تجعل منها العدو الأسوأ لنفسها. فغياب الجهد المُنظّم لاستقطاب دعم ملحوظ من الساحة السياسية العراقية يجعلها شديدة الهشاشة وعرضة للقوى المؤذية. زد على ذلك أنّ الاحتجاجات ليست منفصلة عن ديناميات محلّية وإقليمية أخرى، بما في ذلك التوتّرات بين الولايات المتحدة وإيران. فقد تبع الهجوم الصاروخي على السفارة الأميركية الذي شنّته ميليشيات الأسبوع قبل الماضي مباشرة قمعاً عنيفاً للمحتجّين. ويمكن أن يمنح صراعٌ أوسع بين الولايات المتحدة وإيران أو توترات أخرى الجهات الوكيلةَ لإيران تغطيةً ممتازة لشنّ حملة عنيفة واسعة تهدف إلى إنهاء الاحتجاجات بشكل حاسم. وقد يتمّ تحديد مصير المحتجّين بعيداً عن عدسات الإعلام: عبر الاتفاقات في الغرف الخلفية والاغتيالات والخطف والهجمات المتفرّقة التي تُشنّ سرّاً.
ستكون الأسابيع المقبلة شديدة الأهمية لمعرفة ما إذا كانت الحركة الاحتجاجية في العراق قادرة على المحافظة على زخمها، والأهم أن تكون قادرة على تحقيق بعض الأهداف التي تركّز على تحسين الحوكمة وإصلاح الدولة على الأقل. وقد تلجأ الحكومة إلى مزيد من العنف، لكنّ الدراسات لبعض الحالات حول العالم والأبحاث حول الحركات الاحتجاجية تُبيّن أنّه على الرغم من أنّ الإكراه قد يخفّف من الاحتجاج لفترة، فإنه يظل بعيداً كل البعد عن إنهائه. فعلى المدى الأطول، يزيد الإكراه من الخلاف الذي يسمح للحركات الاحتجاجية بإنعاش ذاتها. وبالتالي، في كلّ مرّة تلجأ الحكومة العراقية فيها إلى الإكراه، سوف يكيّف المحتجّون على الأرجح استراتيجياتهم ويقوّون عزيمتهم نتيجة لذلك.
*زميل زائر في مركز بروكينغز الدوحة.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock