ترجمات

عسكرة الأمومة: عودة نساء داعش الغربيات إلى الوطن

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

كيريلوي م. إنغرام* – (ذا إنتربريتر) 22/11/2022

يستهدف تنظيم “داعش” النساء ويناشدهن من خلال دعايته الرسمية. ويشير هذا في حد ذاته إلى أن التنظيم، مثل الحركات السياسية العنيفة الأخرى، يحتاج إلى النساء لتحقيق أهدافه الاستراتيجية.

ويجب النظر في الآراء التي تُطرح حول أدوار النساء في “داعش” بينما تدير أستراليا ودول غربية أخرى عملية إعادة مواطناتها البالغات إلى الوطن. ويجب التغلب على ثنائية “الضحية” مقابل “المقاتلة” لفهم الدور الاستراتيجي المتوخى للنساء.

* * *
كان قرار الحكومة الأسترالية بإعادة أكثر من 20 امرأة و40 طفلاً من المخيمات التي يعيشون فيها في سورية إلى الوطن تغييرًا مستحقًا منذ وقت طويل في السياسة، كما يمثل تحولاً كبيرًا في الخطاب.

في العام 2019، عندما غادرت نفس هؤلاء النساء والأطفال الباغوز؛ آخر معقل لتنظيم “داعش”، رفضت الحكومة الائتلافية السابقة إعادة هؤلاء المواطنين إلى ديارهم، مشيرة إلى مخاوف أمنية بشأن إعادة نساء عنيفات وخطيرات إلى البلاد.

ومع ذلك، اعتبرت حكومة “حزب العمال” الآن أنه من الآمن بما فيه الكفاية “إنقاذ” هؤلاء النساء وأطفالهن. ووفقًا لمستشارة مجلس الوزراء، تانيا بليبيرسيك، “تم نقل بعض الأمهات إلى هناك عندما كن هن أنفسهن أكبر من أطفال بقليل وتزويجهن من مقاتلي “داعش”، بعضهن خدعن، وبعضهن أجبرن على الذهاب إلى هناك”.

ينبغي على كل أمة أن تحترم سيادة القانون وأن تتحمل المسؤولية عن مواطنيها. وتحذو أستراليا الآن حذو كل من المملكة المتحدة، وفرنسا، وكندا، وهولندا، وألمانيا والدنمارك، من بين بلدان غربية أخرى، التي تبدأ في إعادة مواطناتها إلى الوطن بعد الكثير من التردد والضغوط الدولية.

ولكن، يجب في الوقت نفسه إدارة إعادة النساء إلى الوطن بعناية ودقة كبيرتين. ينبغي ألا تعامل النساء تلقائيًا بوصفهن “ضحايا”، في معزل عن كونهن “مقاتلات”.

يشير تحليلي القائم على الأدلة إلى أن فهمنا لمساهمات النساء في تحقيق الأهداف الاستراتيجية لـ”داعش”، وبالتالي الجرائم المرتكبة خلال فترة وجودهن مع التنظيم، يجب أن يتسع ليشمل أدوارهن غير العنيفة.

يستهدف تنظيم “داعش” النساء وينشاهدن من خلال دعايته الرسمية. وهذا في حد ذاته يشير إلى أن التنظيم، مثله مثل الحركات السياسية العنيفة الأخرى، يحتاج إلى النساء لتحقيق أهدافه الاستراتيجية، وبالتالي لا ينبغي التقليل من شأن التهديد الأمني الذي شكلته هؤلاء النساء ذات مرة أو الذي يشكلنه حاليًا.

وقد قمت بتحليل دعاية “داعش” الرسمية باللغة الإنجليزية التي تستهدف الجماهير الغربية، ووجدت أن التنظيم تصوَّر النساء من خلال خمس تمثيلات نسائية من أجل بناء وإسقاط نظام جنساني بديل مصمم لتعزيز الأهداف الاستراتيجية للجماعة.

ومع تغير تلك الأهداف على أرض الواقع، مثل تحول التنظيم من خلافة تحكم مساحة إقليمية وسكانها خلال فترات “الازدهار” والعودة إلى التمرد خلال فترات “الكساد”، تغيرت أيضًا طبيعة نداءات التنظيم والتمثيلات النسائية التي أكدها.

من بين الخمسة، يتم تقديم النساء “المؤيدات”، و”الأمهات/ الأخوات/ الزوجات”، و”المقاتلات” كجزء من المجموعة، ويعملن كمعايير يجب محاكاتها، ويجسدن مجموعة الأدوار التي يتوقع “داعش” من النساء القيام بها.

وتظهر الأدوار غير القتالية، “المؤيدات” و”الأمهات/ الأخوات/ الزوجات” بشكل بارز في الرسائل التي تستهدف الإناث (مثل قسم “الأخوات” في مجلتي “دابق” و”رومية” الناطقتين باللغة الإنجليزية.

(يتم تصوير “المؤيدات” على أنهن نساء مسلمات “حقيقيات” يؤدين “الهجرة” إلى أراضي “داعش”، في حين أن “الأمهات/ الأخوات/ الزوجات” يحصدن فوائد الحياة في دولة الخلافة من خلال تربية وتلقين الجيل المقبل من “أشبال الأسود”.

على سبيل المثال، في الفترة التي كانت فيها المجموعة وليدة، شجع سلف “داعش”، تنظيم “القاعدة في العراق” تحت قيادة أبو مصعب الزرقاوي، النساء على القيام بأدوار تقليدية كـ”أمهات” و”زوجات”.

وعندما أعلن “داعش” عن إقامة الخلافة في حزيران (يونيو) 2014، شددت رسائله الموجهة إلى النساء على أهمية القيام بـ”الهجرة”.

وتشجع المهاجرة “أم سمية المهاجرة” النساء على أن يفعلن مثلما فعلت، وكتبت في مقال في قسم “الأخوات”: “ومن بين مقاصد الهجرة التكاتف مع المسلمين ودعمهم وتقوية قواتهم والجهاد ضد أعداء الله وأعدائهم”.

ويبدو أن ما يقدر بنحو 1.023 امرأة من أوروبا الغربية، و1.396 من أوروبا الشرقية، و122 امرأة من الأميركتين وأستراليا ونيوزيلندا قد أوفين بهذا الالتزام.

بمجرد دخولهن أراضي “الخلافة”، شجع داعش “الأمهات/ الأخوات/ الزوجات” على إدامة وظائف المجتمع الطبيعي. وفي الواقع، تم استخدام “الأم/ الأخت/ الزوجة” باستمرار لتمكين المرأة وإظهار أدوارها في المنظمة بحيث تكون بنفس أهمية دور الرجل. “جهاد بلا قتال” كما تصفه “دابق”:

“فهل فهمتِ، يا أختي المسلمة، ضخامة المسؤولية التي تحملينها؟… في الواقع، أرى أن أمتنا هي جسد مكون من أجزاء كثيرة، ولكن الجزء الذي يعمل أكثر من غيره في سبيل تربية جيل مسلم هو جزء الأم المربية”.

كما أطّر داعش “الأمهات” على أنهن جزء لا يتجزأ من إقامة الخلافة، ووجود الجماعة داخل الجماعة (المسلمون السنة المتحالفون مع “داعش”)، وتدمير الجماعة الخارجية (حرفيًا أي شخص آخر). وجاء في مقال في قسم “الأخوات” بعنوان “سأتفوق على الأمم الأخرى في العدد من خلالكن”، صراحة:

“يشجع الإسلام على إنجاب الأطفال لأسباب عديدة. ولعل أهمها هو زيادة عدد المسلمين من أجل تقوية الأمة… مع ولادة كل طفل مسلم، تُزرع شوكة في حلق الكفر (المرتدين)… وبزيادة عدد المسلمين، يختنق الدنيئون وتُنكس رايات الكفار، بينما ترتفع أصوات الصالحين”.

وحتى بعد الفرار من الباغوز، أعلنت النساء في المخيمات: “لقد غادرنا حتى يعطينا الله جيلاً آخر ليصبحوا مجاهدين. إذا كان رجالنا قد ماتوا، فإن نساءنا لم يمتن. وبمشيئة الله، سنربي هذا الجيل من الصغير إلى الكبير”.

“داعش” يهاجم الجمهورية الإسلامية

إن عسكرة الأمومة واستغلال القدرات الإنجابية للمرأة لتحقيق أهداف التمرد القومي القائم على الإبادة الجماعية هي أمر شائع عبر التاريخ. ويُنظر إلى “الأمهات” على أنهن جزء لا يتجزأ من اتجاه الإبادة الجماعية، بوصفهن “حارسات” النقاء وحاملات الأجيال المقبلة، مما يجعل النساء أيضًا أهدافًا للعنف الجنسي القائم على الجندر. وكان هذا النوع من الخطاب بارزًا في جميع أنحاء ألمانيا النازية، ومن غير المستغرب تكراره مع “داعش”.

وهكذا لعبت “مؤيدات” داعش و”أمهاته” و”زوجاته” أدوارًا رئيسية في استهداف التنظيم الموثق لليزيديين وإساءة معاملتهم وإبادتهم جماعيًا. وعلى سبيل المثال، احتجزت المرأة الألمانية، جالدا أن امرأة إيزيدية أسيرة خلال فترة وجودها في أراضي الخلافة.

وقد أدينت مؤخرًا بمساعدة والتحريض على فظائع “داعش”، التي ترقى إلى الإبادة الجماعية، وقضت المحكمة بأنه “من غير المعقول” أنها لم تكن على علم بأهداف “داعش”. في الواقع، أوضح “داعش” أهدافه المتعلقة بالإبادة الجماعية من خلال وثائقه الداخلية ودعايته، كما هو الحال في “فتيات الرقيق أو البغايا”، (1) الذي كتبته امرأة للنساء.

يجب النظر في هذه الآراء حول أدوار النساء في “داعش” بينما تدير أستراليا ودول غربية أخرى عملية إعادة نسائهن البالغات إلى الوطن.

وينبغي أن يُرشد نهج دقيق يوازن بين الأمن والملاحقة القضائية والعدالة وإعادة التأهيل وإعادة الإدماج إدارة جهد الإعادة إلى الوطن على أساس كل حالة على حدة، استنادًا إلى العمر، والدوافع، والالتزام الأيديولوجي.

وبطبيعة الحال، ستكون هناك بعض الضحايا الإناث الحقيقيات اللواتي تعرضن للإكراه والاتجار وسوء المعاملة والاغتصاب. ومع ذلك، سيكون من الخطأ الوقوع في فخ افتراض أن أدوار المرأة غير المقاتلة كانت غير مهمة من الناحية الاستراتيجية، ومعاملة جميع نساء “داعش” العائدات كضحايا بريئات وسلبيات.

*كيريلوي م. إنغرام Dr. Kiriloi M. Ingram: هي زميلة أبحاث ما بعد الدكتوراه في كلية الدراسات العليا الأسترالية للشرطة والأمن في جامعة تشارلز ستورت. تركز أبحاثها على دور النوع الاجتماعي في الدعاية والاستراتيجيات السياسية العسكرية للحركات السياسية العنيفة.

لديها خبرة واسعة في تطوير برامج بناء السلام ومكافحة التطرف العنيف التي تراعي الفوارق بين الجنسين مع الجهات الفاعلة في المجتمع المدني في مجتمعات جنوب شرق آسيا التي اخترقتها الجماعات المتطرفة العنيفة.‏

*نشر هذا المقال تحت عنوان: The militarisation of motherhood: repatriating ISIS’s Western women
هامش:
(1) al-Muhajirah, Umm Sumayyah. “Slave Girls or Prostitutes.” Dabiq 9 (2015): 44-49

اقرأ أيضا في ترجمات

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock