أفكار ومواقف

عشتُ في زمن درويش

على مدار أشهر طويلة، أجهدت نفسي في محاولة كتابة شيء عن رحيل محمود درويش، عن الشاعر الذي كان بيننا.. ومضى على غفلة من محبيه.


أردت أن أكتب عنه أي شيء.. وكلّ شيء. ولكنني علمت أن ذلك صعب المنال. أردت التحدث عن قصائده.. فاكتشفت أنني لست ناقدا. أردت الكتابة عن حياته الشخصية؛ كم امرأة أحبّ، وكم مرّة بكى في حضرة الوحدة التي لفّعته طويلا، كم قال آه من وجع، وكم قالها من تذكر.


أو الكتابة عن مزاجه؛ في أي وقت من النهار أو الليل يكون رائقا، ومتى يكون أشبه بإعصار. أردت الكتابة عن مذاق قهوته، وطقوسه فيها، وماذا يفعل في حضرتها.. لكنني اكتشفت جهلي التام بتفاصيل كان يمكن أن أُلمّ بها قبل أن يغيب الجسد، فلا أنا عارف طقوسه المحببة، ولا مفاصل حياته الشخصية المهمة.


جمعتني به مناسبات عامة عدة.. ودعوتان خاصتان.. ومصافحتان.


أعلم أنني لم أكن صديقا مقربا له كما كان آخرون. ولكنني متيقن من أنه كان صديقا أثيرا لديّ على مدى سنوات طويلة من حياتي. فرحت كثيرا إذ اكتشفت هذا الأمر. قلت سأكتب عنه وعني. سوف أربطني به، كما فعل آخرون أرادوا أن يضيفوا إلى سيرهم الذاتية وهجا استثنائيا لا يخطئه الفهم.


رحل درويش. كان كمن وخزته شوكة، فاطمأن إلى ألمها، وأغمض عينيه، مصادفة، على موت لم يستشره في شيء: لا في الشرايين التي انسدت، ولا في تلك التي تضخمت، ولا حتى في القلب الذي لم يعد يحتمل التأسي على الحال أكثر. هكذا ذهب.


كيف لي أن استرجع أكثر من ربع قرن من السنوات هي عمر صداقة أقمتها مع كتاباته التي شعرت دائما أنها موجهة لي شخصيا، وموجهة ضدي بالذات، كذلك! كنت دون العاشرة عندما تعرفت للمرة الأولى على “عاشق من فلسطين”.


حملته “منشورا سريّا” أدور به على أصدقاء قليلين لم ينتبهوا إلى شغفي الجديد، ولا إلى كلمات تترى كما النيل لمصر العطشى. أردت أن أدوزن به كلماتي المستقبلية، غير آسف على لغة أخرى أتركها ورائي من غير حسرة تذكر. كنت كمن وجد الطريق إلى جنّة تتراءى من خيال مجنون، محفوفة بسحر مغلّق الأبواب.


انتابتني حمّى الباحثين عن الذهب، فدلفتُ بابا لا أرى منه سوى مقبضه الذهبي، إلى طريق لم يتركني حتى اللحظة.


كان درويش بكامل بهائه ينام في دفتري كل ليلة، يروي لي تراويد عنترة العبسي، إذ يسعى إلى لبنى بمشيٍ غير مخاتل، ويسمعني شجنا لم أعهده عن رجال مضوا إلى الضوء من غير جَلَبَةٍ كبيرة: الظل العالي وماجد أبو شرار وأحمد الزعتر، وغيرهم.


أتاني ذلك السحر وأنا ما أزال أحبو في بحر المفردات، ولم أستطع، وحيدا، أن أفضّ سحر الكلام الأنيق الذي بادرني بالفجاءة.


سألت من أعرفهم عن حدود المعنى، عما يمكن أن يقوله “لاجئ” عن وطن مسروق، ومحروس بالغيلان.. لكن قريتي الصغيرة أوقفتني عند حدودها، فبقيت وحدي أرتل قصائد تغيب عن ذهني معانٍ كثيرة منها، غير أن سحرها وموسيقاها مما لا يمكن أن يخفى على أحد.


أدمنته في الصباح وفي المساء، كنت كمن وجد كنزه الأثير، فاستظل به إلى المالانهاية، فدلفت عالما كاملا من الأسرار.


غير أنه خاب ظني بالمشاركة، ولم أجد مريدين كثرا لعالمي الجديد، فعدت من جديد لأنكفأ، في عزلة اختيارية، وحيدا مع قصائد مستنسخة، ومنزوعة الأغلفة، ولكنني أحببتها أكثر بكثير من تلك المجلدات الأنيقة والعديدة التي كانت تغصّ بها مكتبة البيت.


السنوات الطويلة التي مرّت منذ أول تبصر على مفردات درويش، كانت دائما تمتلك فجاءتها ودهشتها الأولى مع كل جديد يرميه الشاعر في قلوبنا: هكذا قضيت أكثر من ربع قرن مع درويش.


لم أعد انتظر النصوص أن تأتي، فقد قررت الذهاب إليها. كان ذلك في مرحلة عمرية أخرى، وجدت خلالها أصدقاء جددا جمعتنا نصوصه، وأبكتنا كتاباته.


اللحظة الدرامية المميزة التي كنت أطل فيها بوعيي على كتاباته للمرة الأولى، كانت خلال حصار بيروت، حين اختبرنا أول احتلال لعاصمة عربية.


وكان درويش هناك يلغي الحواجز التي وضعوها بين شطري مدينة منكوبة، كان ذنبها أنها فكرت في أن تكون مختلفة. ومع كل مفاصل حياته، كنت أتابع “مانشيتاته” العريضة في قصائده، وهو يحاور اللحظة الزمنية، ويقبض على حدود الممكن، مستفتحا فيما تبقى له من الوقت منفى وراء آخر.


حتى عندما قال “أنا لست مراسلا حربيا للقضية الفلسطينية”، لم يلمه الصادقون، فقد عرفنا أن للرجل حياة يريد أن يختبرها بعيدا عن وثاق ارتبط فيه لأكثر من نصف قرن.


أعترف أن رحيله خسارة شخصية لي، فمنذ وعيت على ما حولي كانت كلماته تزورني دائما، مؤكدة أن “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”، وتمنحني تواكل طائر البوم في فريسته اليومية التي سوف تأتيه على طبق من غفلة.


كنت أعرف دائما أن ثمة جديدا سوف ينطلق في مساء أو صباح، وسوف أعثر عليه وأقرأه.. ولا بد يطربني ويشجيني، ويسحبني إلى وعي دفين كنت استحضره فيما مضى، ولكن من دون أن أدركه.


كنت دائما على ثقة أكيدة من أن نصّاً “طائشا”، سوف يصلني على متن صحيفة ما، فيبدل كلماتي ويهذبها.


قبل أقل من عام على وفاته، جاء إلى مسرح البلد محملا بأوجاع سنوات الغربة.


كانت أمسية استثنائية ضجّت بها عمان التي أحبته؛ مقيما ووافدا ومغتربا ومنفيا.


وقفت بين مئات لم يتسنَ لهم الدخول إلى المسرح. كان يكفيهم أنهم في المكان نفسه الذي يتواجد فيه الشاعر، ويتنسمون، تقريبا، الهواء نفسه الذي يتنسمه.


فشلت في الدخول، ولكنني لم أنهزم أمام إلحاح المغادرة، بل بقيت حتى انتشى الجمهور الذي حظي بالدخول، وغادرت معه.


يومها قالت لي امرأة أن قشعريرة عجيبة سرت في بدنها حين مدت يدها باتجاه درويش الذي لم يخيّب ظنها!


لم أعجز عن تلبّس الحالة، ولكنني حسدتها كثيرا. حين أعلنوا الوفاة، كنت في عملي، كانت تلحّ عليّ رغبة عارمة بالبكاء. كان شعورا أشبه ما يكون باليتم، لعلّي لم أجرّب اليتم الطبيعي بعد، ولكنني استطعت أن أتذوق طعمه بغياب درويش، وهو الذي بقي معي أكثر من ربع قرن.


سأدّعي وأقول: أنا من كثيرين قرأوا كلّ ما كتبت يا درويش، استطعتُ إنجاز ذلك لأنني بدأت مبكرا، حتى قبل أن أميّز بين الشعر والنثر.


ولكن ادعاء كهذا يستطيع أن يتشدّق به كثيرون، بينما كم واحد يستطيع أن يقسم على أن ما قرأه كان مفصليا في ثنايا حياته، وأنه كان حجر الزاوية الذي انبنى حوله الحاضر والمستقبل من غير غباش!


لم أكن صديقك المقرب، ولكنك كنت صديقا مقربا مني، ورغم اللقاءات المعدودة جدا، فإنني أفتقد حضورك الجسدي.. حضورك الطاغي.. حضورك البهيج، وسوف أقول ما حييت: عشتُ في زمن درويش.


[email protected]

تعليق واحد

  1. ميزة اخرى
    الزميل موفق
    أعتقد أن ما يمكن ان يقال عن درويش أنه يشبه كتاباته، فهو أنيق و منظم مثلها، الإختلاف معه ظاهري كما هو في بعض شعره، و لكن أعتقد أن هذه الميزه يفتقدها الكثيرون، فمنهم من تعجبك كلماته، و لكن عندما تلقاه تتمنى أنك لم تتعرف عليه، و بقيت معجب بكلامه، و منهم من لا يعجبك نثره، و لكن يأسرك لقاءه .. و هذه ميزه كما أعتقد

  2. تحية طيبة لك..
    الأخ المبدع موفق..
    منذ وفاة هذا الشاعر العظيم أحسب أنني تعثّرت في زحام من كتبوا عن درويش مؤبنين أو مشهرين أو طالبي متعة أومنافع أخرى.
    والحق أنني بعد أن تلمست مقالكم المبدع وقد جاء بُعيد أن هدأت الضجة وبردت الحرّة.شعرت أنه مقال مختلف بمعنى خارج عن السياقات السالفة.
    لعلّ شهادة شاعر شاب مبدع عن شاعر من الرّواد،لا تصطف مع أي طابور ولا حتى تعترف بالتصنيف،هي ذات أهمية قصوى في هذه الآونة،تبدأ أهميتها من كونها شهادة على الفن الحقيقي من لدن أهل الفن،ولا تنتهي برصدها للأثر الذي أورثه الرائد في الجيل المبدع الذي كان لاحقا وربما تابعا وربما مظلوما.
    أقول هذا وأنا ألاحظ الفتنة غير المبررة بالشاعر الفحل الأوحد الذي لن يتكرر منذ الجدّ امريء القيس وحتى فقيدنا الكبير.
    أقول هذا وأنا ألاحظ الأقلام المغلظة تكرّس الفحولة وتوجه دون شعور بالذنب للصلاة نحو كعبة واحدة تجرحت حوافها واهترأت جراء شفرات الشفاه التي تقبل والأكف التي تتمسح.الصوت الواحد مهما كان رونقه وعظم أثره يعيد الشعرية العربية إلى مناطق سوداء قد لا يبيضها مرور قوافل متعاقبة من الشعراء. أزعم أن الشعر العربي يظلم كلّ يوم من أهله ومن غير أهله،"وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضة".
    وددت أن أهمس ختاما على طريقتي بشيء يخصني وحدي،لماذا لم أقرأ مقالا يتحدّث عن الشاعر زهير أبو شايب ويورد أحد مقاطعه الشعرية الرائعة،لماذا لم أقرأ مقالا عن الشاعر يوسف عبدالعزيز وهو يطاول سماء الرّوح بشاعريته الفريدة،لماذا لم أقرأ عن موفق وعن مها العتوم وعن حكمت النوايسة وووو هل ننتظر لا قدر الله أن نفتقدهم كي نتذكرهم كما ينبغي لإبداعهم أن يُتذكر؟ أم نحن قوم حلفنا ألا نؤمن بتعدد الأصوات والمنابع الإبداعية..
    كل الشكر لك أخي مهند واقبل أمنيات التوفيق والاحترام

  3. كل الشكر
    لقد غسلت قلبي والله يا سيد ملكاوي في هذا المقال لقد عبرت عن كثير كنت أرتجله طوال هذا العام على الرحيل وخصوصا الشعور باليتم من بعده

    لقد غسلت قلبي بعد مرارة وقذارة تلقاها ممن هاجموه وأمه قبل أيام مدعين أنهم أصحاب الدين ووكلاء الإله في هذا الزمان

  4. من قال ان محمود قد مات
    لن تمت قصيدة درويش ولكنها باقية بين جذوع السنديان
    ولذلك لن يرحل محمود فهو موجود بيننا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock