أفكار ومواقف

عشرون عاما على أزمة 1989

 


في مثل هذا الشهر من عام 1989 كان الأردن يغلي على صفيح ساخن لم تسعفه برودة الشتاء، حين قررت الحكومة آنذاك إلغاء قانون الصرافين النافذ وإلغاء جميع تراخيص شركات الصرافة العاملة في المملكة وعددها (77) وإغلاق محلاتها، وكانت الحكومة قد طلبت من البنك المركزي الأردني أن يتخذ هذا القرار بصفته الجهة الرسمية المسؤولة عن الصرافين في المملكة بداية ونهاية، وذلك من جملة إجراءات ارتأتها في ذلك الوقت لمعالجة أقسى أزمة اقتصادية عصفت بالمملكة منذ تأسيسها.


وقد حضرت بصفتي المدير الجديد لدائرة “مراقبة العملة الاجنبية والصرافين” الاجتماع الذي دعا له المحافظ آنذاك حسين القاسم، رحمه الله، لاتخاذ القرار إضافة إلى ثلاثة زملاء آخرين، أمد الله في أعمارهم.


ودار نقاش بدأ رقيقا ناعما مهنيا كما هي اجتماعات البنك المركزي دائما، امتد قرابة ساعات ثلاث تطرقنا خلالها لطبيعة الأزمة وإجراءاتنا ونضوب أرصدتنا من العملة الأجنبية ووقوفنا عاجزين تماما عن الدفاع عن سعر صرف الدينار وعن تلبية طلب السوق المحلية من تلك العملات، وكيف وصل بنا الحال إلى ذلك والاجراءات اللازمة.


وكانت وجهة نظري آنذاك أن القرار لن يعالج الأزمة بل سيزيدها عمقا وضراوة، ناهيك أن التاريخ سيسجل إغلاق شركات الصرافة وسحب رخصها وإلغاء قانون الصرافين كنقطة سوداء في تاريخ المملكة الاقتصادي والبنك المركزي الأردني.


ولما قالها المحافظ، صريحة واضحة “أن هذا هو طلب الحكومة” كان ردي الفوري “فلتتخذ الحكومة القرار إذن”. وكانت لحظات عاصفة، وساد الاجتماع بعدها صمت حزين أسعفنا الأخ الكبير والزميل وليد خير الله “أبو أسعد” ليخفف من أجوائه الحادة. وانفض الاجتماع دون أية قرارات.


وبعد يومين طلبني المحافظ ليسلمني في أعلى درجات السرية نسخة من قرار “لجنة الأمن الاقتصادي” ونسخة من قرار رئيس الوزراء بصفته الحاكم العسكري ومضمونهما إلغاء قانون الصرافين وإلغاء رخص جميع شركات الصرافة وإغلاق محلاتها العاملة في المملكة وتكليف البنك المركزي بتنفيذ القرار. وشدد على سرية القرار وعلى تكليفي مديرا للدائرة المعنية بتنفيذه.


وخرجت من مكتبه مثقلا بهموم وأعباء لازمت البنك المركزي الأردني والمواطن مدة طويلة. هموم ما لبثت أن تلاشت استعدادا لتنفيذ القرار ومواجهة تداعياته وأبرزها تكاثر الصرافين والمضاربين قدامى وجدد، ليعملوا وفق قواعد جديدة، فيما يسمى في العرف الاقتصادي والصيرفي “بالسوق السوداء” حيث تستحيل الرقابة، واشتعال نار سوق العملات الأجنبية وانخفاض سعر صرف الدينار بشكل لم تعرفه المملكة من قبل.


شعر المواطن بالصدمة لانخفاض القيمة الشرائية لدخله ولمدخراته بالدينار، وذلك عندما فوجئ بين ليلة وضحاها بارتفاع حاد لإسعار جميع السلع والخدمات، بتوال سريع أصابه بذهول، تعمقت في داخله غصة  صعبة عميقة وهو يرى نفسه عاجزا عن حماية قوته وقوت أسرته بفعل استمرار انخفاض القيمة الشرائية للدينار الأردني الذي يتقاضى به راتبه وأجره، ويرى إجراءات الحكومة عاجزة عن حمايته أيضا، عندما ارتفع معدل التضخم ونسبة البطالة إلى مستويات قياسية، في ظل ندرة العملات الأجنبية التي أصبحت السوق السوداء سوق عرضها وبيعها بالأسعار التي ترغب.


ما أشبه أمسنا بيوم العالم والأزمة المالية تعصف باقتصادات الدول لتتراجع احتياطياتها من العملات الأجنبية وترتفع بطالتها وعجز موازناتها ومديونياتها، بينما تتنامى موجودات البنك المركزي الأردني منها لمستويات قياسية.


عشرون عاما مرت، التقط المغفور له الملك حسين رحمه الله الفرصة التي كانت في قلب أزمة 1989 ليستثمرها الأردن اقتصاديا وسياسيا.


فهل نلتقط الفرصة التي تحملها الأزمة المالية العالمية ونستثمرها لمصلحتنا وعلى مقاسنا ونحافظ على مكتسبات تضحيات عشرين عاما مرت؟


نعم هناك فرصة…


[email protected]

تعليق واحد

  1. مقال ممتاز ولكن؟!
    المقال ممتاز من حيث أنّه يسجل لحظة تاريخية مهمة، ولكن نأمل في نقالات مقبلة أن نقرأ شرح تفصيلي للإحابة على السؤال الوارد في نهاية المقال حو كيف يمكن أن نستغل الأزمة المالية العالمية للمصلحة الوطنية.وشكرا

  2. الفرصة الحقيقية النظام الاقتصادي الاسلامي
    الأزمة الاقتصادية والمالية التي عصفت بالعالم تتطلب ضرورة إنشاء مركز أبحاث في الدراسات الاقتصادية الإسلامية لبناء الفكر الاقتصادي الإسلامي يجمع بين النظرية والتطبيق والحيادية والموضوعية في الدراسات الاقتصادية الإسلامية من خلال الأبحاث النظرية والتطبيقية وفق التفاعل مع المتغيرات المحلية والدولية بعد أن أظهر البحث في التراث عن تفوق المبادئ والأسس الاقتصادية الإسلامية على غيرها من النظم الاقتصادية ،النظام الاقتصادي الإسلامي هو النموذج الصالح الذي يعالج مشاكل المجتمع الاقتصادية وفق المنظور الإسلامي بعدما تكشف عيوب النظام الرأسمالي وقبله النظام الاقتصادي الاشتراكي، ومن أهم أهداف المصارف تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي ينتج عنها الاستقرار الاقتصادي السياسي وعلى المصارف أن تلتزم في سياستها الاقتصادية منهج النظام الاقتصادي الإسلامي وضوابطه والقواعد الاقتصادية والمشاركة في المخاطر(الربح والخسارة) وهي أساس الاقتصاد الإسلامي الذي يحقق العدالة في التوزيع ،وجود الزكاة كمورد وهي ضرائب على المدخرات لتشجيع الإنفاق بدل الكنز مما يؤدي إلى تسارع عجلة الاقتصاد والإنتاج والاستقرار السياسي والاقتصادي والتكافل والمحبة بين الناس ، وهناك الكثير من قواعد الاقتصاد الإسلامي وضوابطه التي تساهم في بناء المجتمع مثل الملكية الخاصة والملكية العامة نظام المواريث في الإسلام والصدقات والأوقاف…الخ .هناك محظورات في النظام الاقتصادي الإسلامي :- الربا بشقيه ربا الفضل وربا النسيئة تحريم الاحتكار،تحريم الاتجار في القروض ،وتحريم بيع ما لا يملكه الفرد….الخ من المحظورات في نظام الاقتصاد الإسلامي والتي تعود على المجتمع بالخير ، السعيد من اتعض بغيرة والشقي من اتعض بنفسه،هناك فرصة حقيقيةإذا أردنا أن نحافظ على اقتصادنامعافى تتمثل في تطبيق النظام الاقتصادي الاسلامي.

  3. احسنت يا اخ زيان…. مقالتك رصينة
    ولكن اليوم ليس كالامس .فالمدير اليوم في البنك المركزي لا يجروء على النبس ببنت شفة…فمن اين تاتي الفرص ومن يجروء على البوح بما لديه ؟

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock