ترجمات

عشرون عاما من الحروب: كفى!

دنيس ماكشان* (لوموند)   
ترجمة: مدني قصري

كان كارل فون كلوزويتش (1780/1831) يقول إن الحرب هي استمرار السياسة بوسائل أخرى. فهل حان الوقت، بعد عشرين عاما من الحروب، ابتداء من الحرب الأولى في العراق، ثم في البوسنة، وفي كوسوفو، وفي أفغانستان، وفي العراق ثانية، ثم في أفغانستان من جديد، والآن في ليبيا، هل حان الوقت لكي يضغط العالم الأورو-أطلسي على الكوابح لوقف اندفاعه الحرب الجنونية؟ أمّا نُبْل النية في منع القذافي من القيام بمجزرة من نوع سريبرينكا، في بنغازي، في آذار (مارس) الماضي، فلا يمكن أن يكون موضوع شك أو مساءلة. 
إن فن إنهاء الحرب يقتضي من القيادة والإقدام والمخاطرة نفس القدر الذي يتطلبه الدخول فيها. ولا شك أن تورط البريطانيين السريع في ليبيا يعتبر اليوم خطأ استراتيجيا. فالمسائل الاستراتيجية، بالتأكيد، لا صلة لها بمسألة الأخلاق والشرعية. وقد كانت الحرب في العراق حربا غير شرعية، لأن المكتب السياسي في الصين، ولأن سلطوياً جديداً مقرباً من الأوليغاركية في موسكو، رفضا تبني منظمة الأمم المتحدة لقرار جديد، حتى قبل التهديد الفرنسي باستعمال حق الفيتو. وقد فتحت منظمة الأمم المتحدة العمليات العسكرية في أفغانستان، لكن المهمة انتهت منذ أن أقصيت القاعدة في العام 2001. وقد حصل التدخل في ليبيا أيضا بالضوء الأخضر من الأمم المتحدة، لكن هذا التدخل زود حلف شمال الأطلسي بقدر كبير من الحماسة. 
ينبغي أن يكون مقتل قائد الثوار الليبيين، الجنرال يونس، على يد إسلاميين حدثاً يدق ناقوس الخطر. ومع ذلك، فهناك دائما من الممثلين عن الليبيين من هم على استعداد لأن يشرحوا للقادة في باريس أو لندن، أن غارة جوية جديدة، أو سربا جديدا من المدربين العسكريين غير الرسميين، أو حتى بعض طائرات الهيلوكبتر أو الصواريخ الإضافية، يمكن أن تفي بالغرض المنشود.
يبلغ حجم ليبيا ضعفي ونصف ضعف حجم فرنسا، وسبعة أضعاف حجم المملكة المتحدة. وكان أحد رؤساء الوزراء البربطانيين في القرن التاسع عشر، لورد سالسبيري، قد صرح بأن معظم الأخطاء في السياسة الخارجية لبريطانيا العظمى مرتبطة بسوء استعمال المقاييس على الخرائط. فهل ذكّر أحدهُم السيدين كاميرون وساركوزي بمساحة ليبيا الهائلة؟ وتكره طرابلس وبنغازي كل منهما الأخرى. أما فكرة أن أي مجموعة من بنغازي مُرحَّب بها في طرابلس فهي زيغ وضلال. وإذا انتصرت القبائل والإسلاميون، فلا يعني ذلك أن البلاد ستعيش ديمقراطية على الطريقة السويسرية، بل إن شريعة من نوع الطالبان هي التي ستفرض نفسها في طرابلس.
تكلف المغامرة الليبية فرنسا وبريطانيا العظمى أكثر من مليون يورو يوميا. وإلى حد الآن، لم يقتل جندي فرنسي أو بريطاني واحد. أما عدد القتلى في أفغانستان فهو في ارتفاع مستمر.
منذ سنتين والجيش يحتل قلب السياسة، مع الحرب الأولى في العراق، والصراعات في البوسنة وفي كوسوفو، والتدخلات في إفريقيا مثل سيراليون، وساحل العاج، وأخيرا حروب ما بعد الحادي عشر من أيلول في البلدان الإسلامية. ولم تكن هذه التدخلات العسكرية جميعها مبررة، مثلما ما تزال المفاهيم الأممية الجديدة حول حق التدخل، ومسؤولية حماية المدنيين، محتفظة بأهميتها.
لقد خدم الجنود بلادهم، وخدموا قيم الديمقراطية بإخلاص وكرامة، وبأعلى حس من الواجب. لكننا لن نشرّف جنودنا الموتى بتكديس المزيد من الموتى فوق جثامينهم. ولعل سلاماً غير عادل هو خيرٌ من حرب أبدية! ويبقى أن نعرف من هم الزعماء السياسيون الذين سيكونون قادرين على إنهاء المعارك، وعلى أن يدعوا فرنسا وبريطانيا العظمى والولايات المتحدة الأميركية تنعم بفترة سلام شبيهة بالتي عرفتها أوروبا عندما تنازلت عن خوض الحرب من أجل الاحتفاظ بمستعمراتها، أو شبيهة بحالة الازدهار التي استعادتها الولايات المتحدة الأميركية فور انسحابها من فيتنام؟    
إن العالم غير الديمقراطي يتلذذ برؤية الجيوش الغربية وهي تغرق في وحل صراعات لا أمل في كسبها… صراعات تضخ الدماء وتجفف ثراء التجديد الاقتصادي والاجتماعي التي يحتاج إليها المجتمع اليورو-أطلسي.  
وتبقى ملاحظة أن القتل الجماعي، والتعذيب، والفظاعات التي تثقل كاهل سورية، هي أسوأ بكثير من كل ما يجري في ليبيا. لكننا بلا حَول في هذا ولا قوة! كما أننا لا نستطيع أن نخوض حربا حتى نقضي على المستبدين الدمويين والفاسدين في القارة الإفريقية، أو أن نقضي على السلاح النووي في إيران.
إن الحرب هي استمرار السياسة بوسائل مختلفة. ولكن، ما دامت الحرب لم تحقق لنا نجاحا، ألم يحن الوقت لكي نجرّب وسائل أخرى؟
* نائب من حزب العمال ووزير بريطاني سابق للشؤون الأوروبية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 Vingt ans de guerre :ça suffit!

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock