أفكار ومواقف

عصر الإمبراطورية: كيف ولماذا أصبح العالم على ما هو عليه الآن وإلام سيؤول؟

يشكل هذا الكتاب الجزء الثالث من السلسلة التي بدأها المؤلف في التأريخ الاجتماعي والحضاري للعالم، بدءا من الثورة الصناعية. فقد سبقه كتابا “عصر الثورة” و”عصر رأس المال”، وسيكون الجزء الرابع بعنوان “عصر التطرف” ويغطي المرحلة المتشكلة منذ الحرب العالمية الأولى حتى العام 1990.
وفي هذا الكتاب يواصل المؤرخ البريطاني إريك هوبزباوم، المولود في الاسكندرية العام 1917، تحليله الموسوعي لصعود الهيمنة الإمبريالية الغربية واكتساحها جميع بقاع المعمورة، بما فيها المجتمعات العربية والإسلامية. وفيما كانت هذه المجتمعات تدفع ثمنا فادحا جرّاء الغزو الإمبريالي، فإن ما تجلى في العالم الغربي من مظاهر التوسع الاقتصادي والتقدم العلمي والتقني والارتقاء وشيوع السلام، إنما كان يخفي انهيار الحقائق الفكرية اليقينية القديمة التي بشر بها وأكدها المفكرون والفنانون والعلماء والمبدعون بمغامراتهم الاستكشافية في أصقاع العقل البشري وأعماق النفس الإنسانية، وما لبث ذلك العصر أن تداعى مع نشوب الحرب العالمية الأولى العام 1914، واندلاع الثورة الروسية بعد ذلك بثلاث سنوات، ليبدأ بعدها “تاريخ القرن العشرين الوجيز” الذي يعتبر المؤلف أنه قد انتهى بسقوط الاتحاد السوفيتي العام 1990.
ويصف المؤلف كتبه هذه بأنها موجهة للقارئ الذكي المتعلم الذي لا يسعى إلى معرفة الماضي فحسب، بل يريد أيضا أن يفهم كيف ولماذا أصبح العالم على ما هو عليه الآن، وإلام سيؤول.
وهي مرحلة يصفها المؤلف بأنها حرجة في تحول هذا الكوكب بفعل النسق الاجتماعي–الاقتصادي المستجد تاريخيا، الذي سماه كارل ماركس “المجتمع البورجوازي”، وكان أول من أدرك منطوياته الثورية على الصعيد العالمي.
ويبدأ التاريخ الذي يتناوله المؤلف بأواخر القرن الثامن عشر، عندما حدث ما يسميه “الاختراق” لمسار التاريخ، يقصد الثورة الصناعية التي مهدت الطريق للنمو الاقتصادي الرأسمالي والتغلغل العالمي، والثورة السياسية الفرنسية والأميركية. وقد تحددت الملامح العامة لتاريخ المائتين والخمسين سنة الماضية جراء الآثار العالمية المتزايدة لهذا النسق، وبنمطه المتميز بالتنمية من خلال عدم الاستقرار، وبفترات متتالية من النمو السريع الذي يؤدي إلى وقوع الأزمات، وإلى إعادة الهيكلة، وإلى الثورة في بعض الأحيان.
العالم العربي والتحولات العالمية بعد الثورة الصناعية
بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، والتي كان معظمها خاضعا للدولة العثمانية عندما تشكلت الثورة الصناعية، فقد كانت على علاقة تاريخية وتجارية بالغرب على مدى التاريخ، وكانت الدول الإسلامية في ذلك الوقت، العثمانية والفارسية والمغولية، تمر في حالة من الضعف والنزاعات الداخلية، وكانت قد نشأت مجموعة من الحركات الإسلامية الإصلاحية تدعو للعودة إلى الإسلام والإصلاح بعامة.
وقد كان للحراك الجاري في أوروبا تأثير واضح وكبير على العالم الإسلامي في المجال الفكري والإصلاحي، وألهمت الثورة الفرنسية العالم الإسلامي أفكارا إصلاحية واسعة كما حدث في أوروبا نفسها، ويمكن ملاحظة ذلك بحركة التحديث الواسعة التي أخذ بها محمد علي حاكم مصر، وفي الإصلاحات السياسية والتقنية التي أخذت بها الدولة العثمانية في منتصف القرن التاسع عشر، وظهور حركات إصلاحية ومفكرين يدعون إلى استيعاب وتوظيف النهضة الأوروبية، مثل جمال الدين الأفغاني، وخير الدين التونسي، ومحمد عبده. ثم ظهرت الحركات الاستقلالية والتحديثية المتأثرة بالغرب، وأهمها بالطبع حركة مصطفى كمال في تركيا، ونشأت أيضا تيارات ثقافية وبخاصة في لبنان، وضمن هذه التيارات نشأت الحركات القومية واليسارية، والحركات والنقابات المهنية والعمالية.
الثورات المئوية
عندما احتفل العالم بمرور مائة عام على الثورة الفرنسية (1889) ومائة عام على مرور الثورة الأميركية (1876) كانت تجري مقارنات بين ثمانينيات القرن التاسع عشر وثمانينيات القرن الثامن عشر؛ لقد غدا العالم عالميا بالفعل، فأرجاء المعمورة كلها تقريبا غدت معروفة واضحة المعالم، وجعلت سكة الحديد والسفينة البخارية السفر عملية سهلة مختصرة، وجعل الاتصال السلكي واللاسلكي العالم مترابطا وقادرا على نقل المعلومات وتبادلها في فترة وجيزة، ففي العام 1879 زار سويسرا مليون سائح.
وكانت أوروبا النواة الأصلية للتنمية الرأسمالية المهيمنة على العالم، وكانت أيضا المكون الأعظم للاقتصاد للعالمي على نحو غير مسبوق في التاريخ، وكانت أيضا المهد الذي انطلقت منه التقنيات والصناعات الحديثة: الآلات والمحركات والسيارات والاتصالات، والتعدين والمناجم وسكة الحديد. 
وظهرت أيضا أهم الأعمال الثقافية والفنية، وكانت روسيا متفوقة في هذا المجال بفضل أعمال تولستوي ودستويفسكي وتشيخوف وتشايكوفسكي، وبوردوين، ورمسكي كورساكوف. وظهرت في الولايات المتحدة أعمال مارك توين، ووالت ويتمان، وهنري جيمس. وتزايدت نسبة سكان الحضر والمدن، فقد تضاعفت أعداد المدن وأعداد سكانها أيضا، ولكن لم تكن فوائد التقدم قد طالت معظم سكان العالم، وبخاصة في آسيا وأفريقيا.
وتطور أيضا التعليم، وحدث تقدم سياسي كبير في الانتقال إلى الحكم التمثيلي. كان ثمة تقدم وارتقاء مشحون بالتفاؤل عبّر عنه جون ستيوارت ميل بالقول: “عالم، بل دولة أكثر ارتقاء، ورفعة كأفضل ما يكون عليه الإنسان والمجتمع، وأكثر اندفاعا في طريق الكمال، وأكثر سعادة ونبلا وحكمة”، ولكن العالم كان قد وصل إلى نقطة أخذت تتعالى فيها أصوات التشكيك، بل التشاؤم، وبرزت هذه الأصوات جراء الوضع الذي وجد العالم نفسه فيه في سبعينيات القرن التاسع عشر من دون أن يتنبأ بها إلا قلة قليلة. إن الأسس الاقتصادية للمدنية الماضية قدما إلى الأمام قد بدأت تهتز وتتزعزع، وبعد جيل من التوسع غير المسبوق، كان العالم يواجه أزمة.
اقتصاد يغير مساره
تبدأ الفترة التي يغطيها هذا الكتاب بازدهار كبير أعقب كسادا كبيرا، أعاد ترتيب الزراعة والصناعة والتجارة في الاقتصاد، وأنشأ حركات عمالية وفلاحية واشتراكية وجماهيرية، وبدأت مرحلة وصفها هلبهاند بأنها تمثل بداية لفترة جديدة وطويلة من الزحف الرأسمالي العاصف. وأعيد في هذا العصر توزيع القوى، فقد تراجعت بريطانيا وتقدمت الولايات المتحدة وألمانيا.
وتوسع الاقتصاد الجديد جغرافيا ليمتد إلى بلاد ومناطق لم تكن مشمولة به، مثل روسيا والسويد واليابان، فتضاعفت التجارة الدولية. وبدأت الثورة التقنية تعيد تشكيل الاقتصاد والتجارة على نحو أكثر تحولا وجذرية، الهاتف، والسينما، والتلغراف اللاسلكي، والسيارة والطائرة، والدواء والطب، والدراجة الهوائية تلك الآلة المتواضعة والأكثر نفعا، والتي ساهمت بفعالية في تحرير البشرية، وبالطبع الآلة البخارية والتوربينات والمحركات، والكهرباء.
وبدأت الأعمال التجارية المنظمة الكبيرة والمتوسطة تدير وتحرك الاقتصاد الجديد. وبارتفاع مستوى التحضر فقد توسع العالم في إنتاج وتسويق السلع الاستهلاكية، ولم يعد الاقتصاد يقتصر على السلع الأساسية، مثل القهوة والشاي والصحف والأفلام السينمائية، وتطور اقتصاد الخدمات، وأعمال المكاتب، وحدث تقارب كبير إلى درجة الالتقاء بين الاقتصاد والسياسة، فتعاظم دور الحكومات والقطاع العام.
عصر الإمبراطورية
بدأت تطلق تسمية إمبراطوريات على الدول الكبرى والغنية، ألمانيا وبريطانيا/ الهند وفرنسا والصين واليابان والبرازيل واليابان، وأطلقت التسمية أيضا على دول أقل شأنا مثل إيران وإثيوبيا ومراكش، وقسم أكثر العالم خارج أوروبا إلى أراض وضعت بصورة رسمية أو غير رسمية تحت السيطرة السياسية من جانب هذه الدولة أو تلك، وهي على الأغلب: بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وهولندا، وبلجيكا، والولايات المتحدة، واليابان، وخرجت إسبانيا والبرتغال من نادي الدول الكولونيالية.
هذه السيطرة على العالم من قبل عدد صغير من الدول كانت تعبيرا صارخا عن انقسام بين قوي وضعيف، غني وفقير، متقدم ومتخلف، وهذه هي السمة الأساسية لعصر الإمبراطورية. وقد أدى هذا “الاستعمار” إلى آثار مهمة على جميع دول وأمم العالم، في الاقتصاد والتعليم وأسلوب الحياة، والتبعية. لقد كان عصر الإمبراطورية ظاهرة اقتصادية وسياسية، وثقافية أيضا! فقد برزت في الدول المحتلة نخب اجتماعية جديدة في معظم أنحاء العالم متعلمة وفق الطريقة الغربية. هذه الطبقات الحاكمة والوسطى الناشئة بفعل الأنماط الجديدة في التعليم والاقتصاد والأعمال، شعرت بالانتصار على الطبقات التقليدية التي هيمنت على الحياة السياسية والاجتماعية من قبل، وفي الوقت نفسه فقد أثارت الكولونيالية شكوكا وحذرا لدى الأمم والشعوب المحتلة، وشعورا بضرورة الاستقلال والتخلص من الاستعمار.
سياسات الديمقراطية
يقول جون مينارد كينز (1904) “مازالت الديمقراطية قيد التجربة، بيد أنها لم تفضح نفسها، والحقيقة أنها لا تعمل بكامل قوتها حتى الآن، لسببين، أولهما دائم الأثر والمفعول، والثاني ذو طابع مؤقت. فمن ناحية السلطة التي تنطوي عليها الثروة، مهما كانت نسبة التمثيل العددي ستظل لها الغلبة بصورة لا تناسب فيها، ومن ناحية ثانية فإن التنظيم المتخلف للطبقات التي منحت حق الاقتراع مؤخرا قد حال دون إحداث أي تعديل كاسح على موازين القوى السابقة”.
لم يكن التحول إلى الديمقراطية سريعا وسهلا، وقد وضعت قيود مشددة على الدور السياسي للمجالس المنتخبة عن طريق حق الاقتراع الشامل. كان هذا هو النموذج البسماركي الذي قلصت فيه الحقوق الدستورية للبرلمان الألماني، وفي بلاد أخرى أنشئت مجالس تضم أعضاء من ذوي الألقاب الموروثة لتكبح تحركات الممثلين المنتخبين ديمقراطيا في المجالس، ومنحت أصوات إضافية للمتعلمين في بلجيكا وإيطاليا وهولندا، ومقاعد خاصة للجامعات في بريطانيا، وأبقت الدنمارك على نظام التصويت العلني حتى العام 1901، وبروسيا حتى العام 1918، وهنغاريا حتى ثلاثينيات القرن العشرين. وجرى تحكم بأعمار الناخبين، وخلقت تعقيدات تعرقل عمليات تسجيل الناخبين. وعلى هذا الأساس فقد جرد نحو نصف الطبقة العامة في بريطانيا من حق الانتخاب العام 1914. ولكن هذه الكوابح لم توقف تقدم القاطرة السياسية إلى الديمقراطية، فقد كان واضحا أن العالم الغربي يتحرك نحو أنساق سياسية تقوم على قاعدة انتخابية واسعة يتصدرها بصورة متزايدة عامة الناس.
كانت النتيجة المنطقية لهذه الأنساق حشد الجماهير سياسيا، من أجل الانتخابات وممارسة الضغوط على الحكومات، وتضمّن ذلك تنظيم الحركات والأحزاب الجماهيرية والدعاية السياسية، وتطوير وسائل الإعلام الجماهيرية.
واحتشدت جماهير من أجل العمل السياسي، تتكون من طبقات وتجمعات اجتماعية كانت خارج النظام السياسي. وكان المكون الأكثر سطوة فيها هو الطبقة العاملة التي احتشدت في أحزاب وحركات قامت على أسس طبقية واضحة، وتشكل ائتلاف عريض يتضمن فئات اجتماعية وسطى لم تكن متأكدة تماما مما يخيفها أكثر: الأثرياء أم البروليتاريا! وتتكون هذه الفئات من البورجوازية الصغيرة القديمة من المعلمين والحرفيين الفنيين وأصحاب المتاجر الصغيرة الذين داهمهم الزحف الاقتصادي الرأسمالي، والطبقة الوسطى الدنيا من العمال غير اليدويين وعمال الياقات البيض.
واكتشفت الطبقات الحاكمة بين العامين 1880–1914 أن الديمقراطية البرلمانية على الرغم مما أثارته فيها من مخاوف أثبتت أنها تتواءم تماما مع الاستقرار السياسي والاقتصادي في الأنظمة الرأسمالية. وكان ذلك مخيبا للثوريين الاجتماعيين الذين كانوا يرون أن الديمقراطية مدخل إلى الاشتراكية، لأنها سمحت، بل شجعت على التعبئة السياسية للبروليتاريا بوصفها طبقة متميزة، وصار تلاميذ ماركس، مثل لينين، يرون الديمقراطية قوقعة سياسية للرأسمالية.
عمال العالم
غيرت الآلات الحديثة جذريا من طبيعة العمل وتركيبته، فقد انخفضت أعداد العمال الزراعيين والحرفيين لتحل محلهم الآلات، ولكن نشأت مجالات واسعة جديدة للعمالة الماهرة وغير الماهرة، بالإضافة إلى الأعمال الجديدة في المكاتب والمتاجر والخدمات. وتدفقت أعداد هائلة من الناس إلى المدن التي غصت بالمقتلعين من جذورهم، وتنامت على نحو كاسح الحركات العمالية الاشتراكية، وصارت قوة انتخابية نافذة.
وتحولت الحركات الاشتراكية بعد فترة من الزمن لمخاطبة جميع الطبقات والفئات، ولم تواصل كونها مجرد جماعات من الفوضويين والعمال الكادحين، وبخاصة أن المجتمعات كانت زراعية الطابع، يشكل المزارعون النسبة الكبرى فيها، ولكنها بدأت باستقطاب الفقراء من جميع الفئات في مواجهة الأغنياء وأصحاب الثروات والنفوذ، وانضمت إليهم مجموعات من البورجوازية والأغنياء، وبخاصة ممن ينتمون إلى الأقليات، مثل اليهود والبروتستانت.
الأمم والقومية والهويات
وكما أنشأت الديمقراطية الحركات العمالية، فقد أنشأت أيضا القوميات، وإن لم تكن جديدة بحد ذاتها، ولكنها قفزت في هذه المرحلة قفزات واسعة، وظهرت شعارات وأغان مثل “ألمانيا فوق الجميع” حتى تفوقت على النشيد الوطني. وقد وفرت الديمقراطية فرصة عظيمة للناس المؤمنين بالتجمع على أسس قومية للعمل والتأثير الانتخابي، ونشطت الحركات الاستقلالية الداعية لتشكيل دول مستقلة قائمة على أمة واحدة أو غالبة في إقليم محدد. وقد أنشأ تماهي الأمم مع بقعة من الأرض مشكلات وهجرات وجدالات واسعة.
ومع تعاظم هجرات الشعوب وتسارع نمو المدن والصناعات وتزاحم الجماهير المجتثة الجذور ضد بعض، تزايد اتساع قاعدة الوعي الوطني بين هؤلاء المنبتين، ومن ثم كانت المنافي هي الحاضنات الرئيسة التي ترعرعت فيها الحركات الوطنية الجديدة.
وارتبطت القومية باللغة باعتبارها الجامع الأساس لأمة من الأمم، واشتغلت الحركة الصهيونية على إعادة اللغة العبرية باعتبارها أساسا قوميا لتجمع اليهود ومطالبتهم بدولة مستقلة وخاصة بهم. وفي العام 1916 لم يكن عدد الناطقين فعليا باللغة العبرية على أساس يومي يتجاوز ستة عشر ألف شخص.
عصر الإمبراطورية (1875-1914)
تأليف: إريك هوبزباوم
ترجمة: فايز الصياغ
الناشر: المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2011، الطبعة الأولى.
767 صفحة

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

مقالات ذات صلة

انتخابات 2020
42 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock