أفكار ومواقف

عصر المرأة العالمي

سائد كراجة

لم تكن المساواة مع الرجل مطلبا لهن، فأول خروج للمرأة الأميركية العام 1856 كان احتجاجا على ظروف العبودية التي عاشتها النساء في العمل، وقمعهن بوحشية “رجولية” أقعدتهن عن الخروج ثانية للاحتجاج حتى العام 1908، حيث حملن الخبز والورد اتقاء شر الوحشية اياها، ولعل اول مطلب سياسي للمرأة عالميا هو خروج الروسيات للمطالبة بإنهاء الحرب العالمية الاولى، تلك الدعوة التي انتشرت في اوروبا، وساهمت بشكل كبير في انهاء الحرب.

الحركة النسوية عربيا بدأت “رجالية”، ومن رجال أغلبهم رجال دين أزهريين، وكانت الدعوة ليست للمساواة بالرجل؛ بل لرفع ظلم العادات والتقاليد بوقف قمع المرأة، وانصافها بإعطائها حقوقها كما نص عليها الاسلام “الصافي”، وتأخر ظهور هدى شعراوي ومي زيادة والسيدة ناصيف حتى بداية القرن العشرين، لكن المرأة العربية في مصر والأردن وفلسطين والبحرين، شاركت النضال المجتمعي ضد الاستعمار، ولعل المرأة الفلسطينية اكثرهن اندغاما في المشاركة السياسية منذ وعد بلفور وما تزال.

إن أول دعوة عربية للمرأة “الجديدة” كانت عند قاسم امين؛ الذي اتهم بالدعوة لـ”الانحلال” ومات “مجلوطا” في نهاية الاربعينيات من عمره، ولكن وصمة الدعوة للانحلال استغلت، ولاحقت الحركة النسوية العربية، رغم ان الواقع الاجتماعي العربي عموما، دليل قائم ان المرأة في الاغلب الاعم هي السد المنيع في مواجهة الانحلال، وان اغلب المنحلين – مع الاحترام- هم من “الذكور”!

المرأة الأردنية؛ ساهمت في العمل السياسي منذ العشرينيات، ورغم انه اعترف بها كـ”مواطن كامل الدسم”، ترشيحا وانتخابا في بداية السبعينيات، إلا أن اثرها السياسي مشهود ومعروف، وأعتقد انها اليوم تحمل عبء تعلمها وثقافاتها ومساهماتها في العمل العام؛ حيث انها اصبحت تقوم بما عرف اجتماعيا دور “الرجال”، فهي موظفة او مهنية وأم ومعلمة وزوجة وايضا “انثى”، وتعاني بهذه الصفة من كثير من الاعباء اقلها التحرش العلني والصامت، الذي يتمثل بملاحقة تفاصيل جسدها، سواء كان مغطى او غير مغطى، ولكن رغم كل ما ذكر فإنها قائد اجتماعي يرفع له العقال..

هل أخذت المرأة حقوقها؟ نعم، حققت الكثير وما تزال هناك بعض القوانين التي تميز ضد المرأة بقصد او بغير قصد، واحيانا لأسباب لا علاقة لها بها مثل: موضوع تجنيس ابنائها الذي هو موقف سياسي وليس بالضرورة موقف ضد المساواة في الحقوق مع الرجل، وفي معرض الحديث عن المساواة مع الرجل، فأنا شخصيا لم أسمع سيدة “نسوية” تطلب المطابقة او التماثل مع الرجل، بل المطلب هو تحقيق تساو في الحقوق والمراكز القانونية المتشابهة، وهذا يشمل بعض الحقوق التي تتمتع بها لدورها كامرأة مثل اجازة الامومة، وهذا “التمييز” للمرأة، ليس تحيزا لها بل ايمانا ودعما لدورها كأم، وهو دور تقوم به لنفسها وللمجتمع في ذات الوقت.

ما نحتاجه في يوم المرأة العالمي، ان نعترف بالمرأة كإنسان بكامل صفاته وميزاته وعقله وجسده وأدواره الاجتماعية جميعها، ما نحتاجه مساواة في الحقوق والمراكز القانونية المتشابهة، مثل العمل والاجر والصحة والمشاركة في تربية الأولاد.

ما نحتاجه وهذا – رأي شخصي- ان نسلم قيادة البناء الاجتماعي والانساني والحضاري لها، فمنذ القرن الثالث عشر تسلم الرجل قيادة البناء الاجتماعي والانساني والحضاري على جميع الصعد، والنتائج حروب ومجاعات وأوبئة، أعتقد انه آن الأوان لأن تتسلم المرأة موقع القيادة في البناء الاجتماعي الانساني والحضاري، وهذا يقتضي ان يهيئ المجتمع البنية التحتية اللازمة؛ لتقوم المرأة بالأدوار التي تختارها من الامومة وحتى اي دور آخر في العلم او الفكر او الادب او الفن، ورغم ما في هذه الدعوة من “تطرف”؛ فإنني على قناعة ألا مستقبل لهذا الكوكب دون ذلك، حتى يصبح العصر عصر المرأة عالميا، بعرف رح تزعل مني جنابك!

المقال السابق للكاتب 

في الجبة غاز وألغاز

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock