ثقافة

عصفور: “مساجد تشد إليها الرحال” يطرح حلولا بصرية تثري الفن الإسلامي المعاصر

أستاذ نقد فني يحاضر في المتحف الوطني للفنون الجميلة


غسان مفاضلة


عمان- قال أستاذ النقد الفني د.مازن عصفور إن المعطيات الرؤيوية والتقنية التي يتوفر عليها معرض “مساجد تشد إليها الرحال” تعدّ محاولة جريئة ومشعة في التحديث والتجريب الفنيين لما تطرحه من حلول بصرية من شأنها أن تثري مشهد الفن الإسلامي المعاصر على غير صعيد.


ولفت عصفور في محاضرته التي نظمها المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة مساء أمس على هامش معرض “مساجد تشد إليها الرحال” الذي يتواصل حتى 21 الشهر الحالي في مقر المتحف بجبل اللويبدة، إلى أن الفنانين المشاركين في المعرض تجاوزوا العديد من المسائل الشائكة التي احتدم حولها النقاش في أروقة البحث الجمالي الإسلامي، وذلك “رغم صعوبة المغامرة والتحديث لفن مرّ عليه نحو 14 قرنا من التأسيس والتطوير إلى أن وصل إلى ما وصل إليه من الكمال والروعة ضمن سياقات ثقافية واجتماعية”.


وبيّن أن ارتباط الفن الإسلامي الوثيق بالفكر الفلسفي والقيم الروحية لعقيدة الفنان المسلم وترجمته لها “لم تأخذ طابع الإشهار والتبليغ الروائي، ولم يكن في خدمة الأئمة والأنبياء والسياسيين بقدر ما كانت في خدمة الفكرة الجمالية القائمة على مبادئ الخير والمنفعة والجمال”.


وعدّ في السياق نفسه أن الفن الإسلامي وجد في التجريد بمفهومه الإسلامي المغاير للتجريد بمفهومه الغربي، خير نافذة للتعبير عن الروح والفكر والوجود بوعي روحي ومعرفي متجانس ومتصالح “بحيث جعل من الطبيعة خلاّقة وليست مخلوقة، وجعل لكل من النقطة واللون والخط والنور والأشكال الهندسية والنباتية والحروفية المجردة أفقاً بصرياً يشفّ عن نظرة الفنان المسلم للقيم الروحية والجمالية في الوجود والكون”.


وحول المنهج النقدي الذي يجلي الأثر الجمالي في الفنون الإسلامية ومن ضمنها أعمال معرض “مساجد تشدّ إليها الرحال”، الذي نظمه المتحف الوطني بالتعاون مع مؤسسة ليان الثقافية في المملكة العربية السعودية بمشاركة 20 فنانا من 15 دولة عربية وإسلامية، أوضح عصفور أن المنهج البنيوي والتركيبي هما اللذان يكشفان عن الدلالات والعلامات البصرية التي تنطوي عليها الفنون الإسلامية.


ورأى أن تفرعات المنهج البنيوي وفق المنظور الغربي تتحدد بالعلاماتية أو السميوطيقيا “semiology”، والتي تعنى بقراءة الدلالات المتحركة في تجاويف النص البصري “بوصفها عالما نشطا من الميكانيزمات اللغوية الداخلية في العمل الفني والمكونة من إشارات وعلامات ودوال بصرية لها شواغلها الفكرية وافجتماعية رغم تحطم الصورة وهدم المعنى كما هو دارج في التجريد والأعمال الإنشائية والتركيبية المعاصرة”.


يشار إلى أن لوحات معرض “مساجد تشدّ إليها الرحال”، تؤكد على قدسية المكانة التي تحظى بها مساجد الإسلام الثلاثة، الحرام والنبوي والأقصى، من خلال معاينة العلاقات الجمالية والروحية التي تتفرد بها تلك المساجد.


وعكست أعمال المعرض، الذي جاء في محطته الرابعة احتفاء بالقدس عاصمة الثقافة العربية، صور الإبداع الإسلامي في كافة تجلياته التي تتحدر من رؤية جمالية فلسفية تشمل الإنسان والطبيعة وتسلتهم الرؤية الدينية الإسلامية، كما يوجه المعرض رسالة للعالم تؤكد أن الإسلام دين محبة وسلام منفتح على قيم التواصل الحضاري والثقافي بين الشعوب.


تتنوع الأعمال المشاركة في المعرض، الذي سينتقل في محطته المقبلة إلي العاصمة التركية أنقرة تعقبها محطات أخرى، في تعبيرها عن المشهد المقدس، فثمة من تعامل مع المساجد الثلاثة: الحرم المكي والحرم المدني والأقصى بمباشرة رمزية ومنهم من أحالها إلى معاني ترتد إلى دلالات إيمانية وعقدية أبعد، ومنهم من تعامل مع تجليات المقدس المادية المتمثلة بشعائر معينة تتعلق برحلة الحج والطواف وغيره.


اجتمعت الأعمال الفنية المشاركة في المعرض على الوصال الأبدي المتنوع والمختلف من حالة إلى حالة بين المساجد الثلاثة وجميع المؤمنين، وأن يلتقطوا تلك اللحظة النادرة التي لم يكرّس لها من قبل احتفاء تشكيلي من هذا النوع لتجسيد العلاقة الروحانية التي تنطوي عليها الأماكن المقدسة.


من جهة ثانية، على هامش معرض “مساجد تشد إليها الرحال”، أقيمت صبيحة الاثنين الماضي في المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة ورشة العمل الثانية لفنون الأطفال التي نظمتها مؤسسة ليان الثقافية في المملكة العربية السعودية.


وتعاونت من أجل إنجاح الورشتين مدارس خاصة عدة، إذ تعاونت في الورشة الأولى التي أقيمت في الرابع من الشهر الحالي مدارس الحصاد التربوي – البرنامج الدولي، وفي الورشة الثانية شارك أطفال من مدارس الاتحاد والعمرية والرائد العربي، إضافة إلى عدد من أبناء الفنانين.


الورشتان جاءتا في سياق تحفيز الإنتاج الإبداعي للأطفال وتطوير قدراتهم وأدواتهم الفنية والفكرية، وسعتا لإكسابهم خبرات بصرية من خلال التركيز على مهارات قراءة العمل الفني وتحليله وتحديد المفهوم الخاص بالعمل ومفرداته.


وشكلت الورشتان، بحسب فنانين تشكيليين، رديفاً لفكرة المعرض، من خلال معاينة رؤية الأطفال للمكان المقدس ومعالجته بصرياً. وأسهمتا في إطار مساحة المشاركة فيهما بالكشف عن قدرات الأطفال ما بين ثمانية أعوام وحتى 14 عاماً في التكوين وبناء المفاهيم والتواصل مع المحيط الاجتماعي والإبداعي.


الفنان التشكيلي أحمد صبيح، أحد الذين أشرفوا على الورشة، ذهب إلى أن الأطفال هم من يرتقون بنا إلى مستوياتهم، مؤكداً أنهم “بعفويتهم وبراءتهم والطبيعة الفطرية لرسوماتهم يشكلون مدرسة في الرسم والتعبير الجمالي والنقد الفني”. وكشف أن عددا من الفنانين الكبار خضعوا لمنطق الأطفال في أعمالهم، في الوقت الذي لم يفعل فيه الأطفال ذلك.


ورأى صبيح أن الورشة في مرحلتيها مهمة في سياق تعريف الصغار بمساجدهم المقدسة التي تشد إليها الرحال.


الفنانة ومهندسة الديكور دانا عمرو، وهي ممن أشرفوا على الورشة، قالت إن الفكرة مهمة، ومشاركة الأطفال مفيدة، والورشة عرفتهم بأسماء تشكيلية عربية وإسلامية لها بصمتها الجمالية الفذة وأسلوبيتها التعبيرية الخاصة.


[email protected]

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock