ترجمات

“عظَمة باقية”: نقش عربي على كاتدرائية كويمبرا

مارتا فيدال* – (موقع قنطرة) 20/10/2021

تأثر البرتغال بالحضارة العربية الإسلامية
ثمة رسالة عربية منقوشة منذ 800 عام على أحجار واجهة كنيسة بمدينة كويمبرا البرتغالية، والتي تقف شاهدة على تأثر المدينة بالثقافة والحضارة العربية والإسلامية، وتحكي قصة تعايش. في هذا المقال، تستكشف الصحفية مارتا فيدال الكاتدرائية، وتبحث في كيفية بقاء نقش عربي منذ القرن الثاني عشر الميلادي على جدران دار عبادة كاثوليكي روماني.
* * *
تتوهجُ حجارة كاتدرائية كويمبرا التي تعود إلى القرن الثاني عشر تحت آخر شعاعات الشمس في أمسية صيفية دافئة، وتحلق طيور السنونو حول المبنى البسيط، بينما السائحون مصطفُّون لزيارة النصب التذكاري المبني وفقاً للعمارة الرومانسكية في ثالث أكبر مدينة في البرتغال.
تتكون بوابة الكاتدرائية من ثلاثة طوابق (في الواجهة الشمالية) وتجتذب العديد من الزوار، ولكن، إلى جانبها يوجد شيء أكثر تميزاً، ولو أنه أقل وضوحاً: إنه كتابة عربية منقوشة على جدار واحد من أقدم المباني الكاثوليكية الرومانية في البرتغال وأكثرها أهمية.
عرض الكتابة أقل من متر، وهي منقوشة في مكان مرتفع للغاية بحيث لا يُلاحظها أحد ولا يستطيع معظم الذين يمرون بقربها قراءةَ الأحرف العربية التي نُقِشت في الحجرِ وبهتت على مدار ثمانية قرون.
إنه نقش عربي ترجمه اللغوي والمستعرب، ألويس ريتشارد نيكْل -الذي زار الكاتدرائية القديمة في صيف العام 1940- كالآتي: “كتبت وقد ابقيته لشكايتي ستفنا يدي يوما ويبقا كبر” (إملاء الكلمات كما هو في النقش)، بمعنى: “لقد كتبتُ (هذا) كسِجِلٍّ دائم لمعاناتي. ويوماً ما ستفنى يدي، ولكن العَظَمة باقية”. (1)
وكان آخرون قبله قد اقترحوا قراءات مختلفة للكتابة العربية، التي يُعتقدُ أنها نُقِشت في وقت قريب من وقت بناء الكاتدرائية، لكن ترجمة نيكْل للنقش تبقى الأكثر تداولاً بين القراءات المختلفة.
وقد اكتمل بناء الكاتدرائية، التي موّلها ملك البرتغال الأول أفونسو هنريكيس، في أواخر القرن الثاني عشر، حين كانت القوات البرتغالية ما تزال تقاتل الحكام المسلمين الذين عُرفوا باسم “المور” أو “المغاربة”. وقد سيطر الموريون، بين القرنين الثامن والثالث عشر، على مساحات واسعة مما يشكّل البرتغال اليوم حين كانت المنطقة جزءاً من الأندلس.
كان الحكم الإسلامي في كويمبرا (قلمرية) متقطعاً حتى العام 1064، حين احتّلت جيوش ملك ليون المسيحي المنطقة. ثم أُلحِقت المدينة لاحقاً بولايةِ البرتغال، واعتُرِف بها بوصفها أول عاصمة لمملكة البرتغال في العام 1179 من قبل الكنيسة الكاثوليكية.
تحاول جويل سابينو -وهي مؤرخة تعمل في الكاتدرائية إضافة إلى كونها مرشدة سياحية فيها- جاهدة أن تشرح للزوار كيف بقي النقش على الجدران لما يزيد على 800 عام، وقد لعبت الحملات التي قامت بها الدول المسيحية، والتي عُرِفت باسم “الاسترداد” -لانتزاع الأراضي من المسلمين في شبه الجزيرة الإيبيرية- دوراً مركزياً في بناء الهويات الوطنية في البرتغال وإسبانيا.
بناء الهوية البرتغالية
بعد سيطرة الملوك الكاثوليك على المعقل الأخير للمسلمين في غرناطة في العام 1492، طُرِد المسلمون واليهود، وحُوِّلت إسبانيا والبرتغال إلى مملكتين مسيحيتين حصراً. وفي الأثناء، دُمِّرت المساجد والكُنُس اليهودية أو حُوِّلت إلى كنائس، كما حُرِقت الكتب العربية والعبرية في محاولات لمحو التنوع الثقافي والديني للمنطقةِ.
وهكذا، بُنِيت الهوية البرتغالية بناءً على التضاد مع الموريين المسلمين، الذين صُوِّروا تاريخياً بوصفهم أعداء. وعلى الرغم من أنّ كتب التاريخ تؤكّدُ المعارك التي جرت بين المسيحيين والمسلمين، تقول سابينو إنّ العلاقات لم تكن دائماً سيئة جداً. وتضيف: “عاش هنا في كويمبرا أناس مختلفون، وحقيقة أنّ النقش العربي نجا لمدة قرون طويلة على جدران الكنيسة يعكس هذا التنوّع. إنها رسالة تسامح وتنوع، تخبرنا بأنّ المدينة تأثّرت بالثقافة والحضارة العربية والإسلامية. وتحكي لنا قصة تعايش”. وتضيف سابينو أنّ التأثيرات العربية والإسلامية واضحة في سيراميك الكاتدرائية، والأعمدة المزخرفة بدقة والسقف الخشبي الهندسي، الذي يُعرض الآن في متحف ماتشادو دي كاسترو الوطني القريب.
وحتى بعد أن انتُزِعت كويمبرا من الحكام المسلمين، بقيت مجموعة مسيحية ناطقة بالعربية “المستعربون” مؤثرة في المدينة. وبالنسبة لسابينو، فإنّ أفضل مثال على وجود المستعربين في المنطقة هو كونت كويمبرا سيسناندو دافيدس (ششنند) الذي درس في قرطبة على يد المسلمين وخدم كلاً من حكام إشبيلية المسلمين وملوك ليون. ويمكن زيارة قبره في الرواق القوطي في الكاتدرائية.
“ستفنى يدي يوماً” -يد من؟
على الرغم من أنّ معظم الأكاديميين الذين فحصوا النقش توصّلوا إلى أنه على الأرجح قديم قدم الكنيسة، إلا أنّه لا يُعرفُ سوى القليل عمن نحته.
وتكهّن نيكْل بأن النقش نحته بنّاء مستعربٌ، أي مسيحي يتحدث العربية عمل في بناء الكنيسة. بينما يعتقد آخرون، مثل ماريو باروكا، وهو متخصص في دراسة نقوش وكتابات العصور الوسطى، أنّ النقش كان على الأرجح من عمل شخص مسلم -ربما كان أحد الحجّارين المستعبدين- أو فنان مسلم مرّ من مدينة كويمبرا.
يقول سلام راسي، وهو مؤرخ مهتم باللقاءات بين المسيحيين والمسلمين في العالم الإسلامي في العصور الوسطى: “يتحدثُ صاحب هذا النقش عن إتمام أمر ما. ربما نقشه حجّار كان يعمل في الكنيسة وتركه كأثر حي على جهوده، لكننا لا نعرف على وجه الدقة”. ويضيف: “ما أثار دهشتي هو أنه نقش أدبي للغاية”. ويتابع: “النقش هو عبارة مجازية شائعة جداً في الكتب؛ ستفنى اليد يوماً وتبقى الكتابة. يموت الكاتب ويبقى كلُّ ما كتبتُه يده”.
ووفقاً لسلام راسي، فإن النقش يعكسُ تواجداً متطوراً للغة العربية. ويقول راسي: “يشير النقش إلى وجود معرفة عميقة باللغة العربية في المدينة، وأن الناس لم يستخدموها في التخاطب فحسب، بل كوسيلة أدبية كذلك”.
“يبقا كِبَر”.. عَظَمة باقية
يعكس النقشُ مرونةً وإرثاً باقياً، إرثاً يمتلئ بالنسبة للبعض بالحنين إلى الأندلس، وهي فترة غالباً ما صُوِّرت كحقبة مثالية من التبادل بين الثقافات، والتي ازدهر فيها العلم والفنون والعمارة.
بالنسبة لطلال أبو زقية، وهو في الأصل من ليبيا وانتقل إلى كويمبرا في العام 2018 للحصول على درجة الماجستير، تعبّر الكلمات على جدران الكنيسة عن شوق وحزن كبيرين: “كتبتُ وقد أبقيته لشكايتي” كما جاء في النقش. ويقول: “يوجد الكثير من الألم في النقش، بيد أنه يُظهِرُ أنه كان هناك، وما يزال، مسلمون يعيشون في البرتغالِ، حيث كانت الأندلس فيما مضى”.
يشكّل المسلمون اليوم أقل من 0.5 % من سكان البرتغال الذين يبلغ عددهم حوالي 11 مليون نسمة. ولا يدرك الكثير منهم أنّ المسلمين كانوا يشكّلون نسبة أكبر من السكان فيما مضى. وحين انتقل أبو زقية إلى البرتغال، فُوجِئ حين اكتشفَ أنّ اللغة العربية قد تركت إرثاً دائماً في اللغة البرتغالية، وأنّ البرتغال متأثرة جداً بالحضارة الإسلاميةِ.
يقول أبو زقية: “حين أزور المباني والقلاع والكنائس القديمة، أو أسافر في الجبال والوديان هنا، أشعر بمزيج غريب من الألفة والشوق والانبهار بما أراه. ألمس أحياناً حجارة القلاع القديمة، وأغمض عيني وأسافر بخيالي إلى تلك الحقبة”.
وعلى النقيض من إسبانيا، حيث ترك الحكم الإسلامي كنوزاً معمارية في مراكز مثل غرناطة وإشبيلية، لا يوجد الكثير من هذه الآثار في البرتغال، التي كانت هامشية إلى حدٍّ ما في المنطقة. وعلى الرغم من أنّ الأندلس نُسِيت وتم تجاهلها إلى حد كبير في البرتغال، إلا أنّ إرثها ما يزال موجوداً. ويبقى التراث الأندلسي في البرتغال، المتواضع وغير الواضح، تماماً كالنقش العربي المحفور على جدار الكاتدرائية، الذي ما يزال موجوداً ومرئياً، إذا كنا على استعداد للبحث عنه.

*ترجمته لموقع قنطرة، يسرى مرعي.
(1) النقش العربي على الجدار الحجري للكاتدرائية القديمة في كويمبرا الذي لاحظه ألويس ريتشارد نيكْل في صيف العام 1940 ورد ذكره في المصدر الآتي: “الكتابات العربية في البرتغال” لمؤلفه ألويس ريتشارد نيكل، المجلد 11/12 (1946)، الصفحة 167-183، الصادر عن مؤسسة سميشونيان.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock