أفكار ومواقف

عقلاء في الغرفة

عقلاء في الغرفة هو عنوان آخر كتاب للاقتصادي اليوناني المعروف، يانس فاروفاكيس، والذي يعتبر من أهم العقول الاقتصاديّة الأوروبيّة، وزير المالية في حكومة رئيس الوزراء الحالي الكسيس تسيبراس، يقدم فيه مذكراته خلال فترة مفاوضات اليونان العصيبة مع صندوق النقد والبنك الدوليين والاتحاد الأوروبي، والتي استمرت لستة أشهر تقريباً، وانتهت بعدما ترك فاروفاكيس منصبه بناء على طلب رئيس الوزراء اليوناني عقب ضغوط مورست عليه من الأوروبيين. وقد استعار عنوان الكتاب من كلمة وجهتها كريستين لاغارد، رئيسة صندوق النقد الدولي للمفاوضين مع اليونان عندما ضاجت مشاعرها بأحد الاجتماعات قائلة إنها تحتاج إلى عقلاء ناضجين في تلك الغرفة.
وبعد فوزه في الانتخابات العامة العام 2015 وحصوله على أعلى الأصوات بين كافة المرشحين ودخوله في حكومة تسيبراس وزيرا للمالية، تم تفويضه لإدارة المفاوضات مع الشركاء الأوروبيين الكبار ومع المؤسسات المالية الدولية. وكان فاروفاكيس يعلم تماماً أن هذه الثقة الشعبيّة العالية حملٌ ثقيل، لذلك احتفظ طوال فترة توليه المنصب العام باستقالة مكتوبة داخل جيبه ليلقي بها في وجه العالم في الوقت المناسب.
من وجهة نظر فاروفاكيس، فإن أزمة اليونان، بعيداً عن الفساد المستشري وسوء الإدارة المزمن في بلاده، جاءت كنتيجة لأزمة البنوك الأوروبيّة الكبرى التي أرادت أن يتحمل دافع الضرائب الأوروبي البسيط ما خسرته تلك البنوك في استثماراتها غير المدروسة في الموجودات المسمومة في الاسواق المالية الأميركيّة.
لا شك أن قراءة كتاب “عقلاء في الغرفة” تمنح القارئ فرصة للانتقال برحلة عبر فضاء ردهات القاعات ولوبيات الفنادق في عواصم صنع القرار الأميركية والأوروبية، يبصر من خلالها صور الحوار والنقاش بلوحات أبدع فاروفاكيس رسمها وتصويرها والتعبير عنها بنفسِ روائي متمكن ينسي القارئ اثناء قراءته للكتاب أنّه أكاديمي متخصص في العلوم المالية والاقتصادية. فيأخذك الى مغامرات دونكيشوت ومسرحيات شكسبير والملاحم اليونانية الاغريقية العريقة ويعيدك بسرعة البرق لأروقة الفنادق وقاعات الاجتماعات في بروكسل وواشنطن.
يروي فاروفاكيس في كتابه أحداث ليلة الاستفتاء الشعبي المثيرة التي أبقت الفريق الحكومي اليوناني بكافة اعضائه داخل مقر الرئاسة مترقبا النتيجة لحظة بلحظة. لقد صوّت اليونانيون بأغلبيّة الثلثين رافضين إملاءات الترويكا الأوروبيّة. وبينما كان يقفز فرحاً لحظة اعلان نتائج الاستفتاء، لاحظ تجهم جميع وجوه من حوله. لا أحد كان يريد المواجهة. ليلتها كان لقاؤه مع تسيبراس صادماً، حيث ابلغه بانه لن يخضع للإرادة الشعبيّة بل سيقبل بشروط الأوروبيين، وطلب إليه الاستقالة من منصبه لأنه أصبح عقبة لقبولهم بأي تسوية مع اليونان. لقد اعتبر فاروفاكيس موقف حكومة تسيبراس «انقلاباً من الحكومة على الشعب»، فأخرج خطاب استقالته من جيبه وسلمه إياه معتبراً “أن هذه الاستقالة رداء شرف سيرتديه على كتفيه طوال عمره.”
كتاب “عقلاء في الغرفة” يدون بالتفصيل مرحلة من التاريخ اليوناني على يد أحد أهم مخططي ومشاركي وصانعي أحداثها، والتي جرى أعقدها خلف الكواليس كما يكشف المؤلف، ويمنح القارئ فرصة لفهم جذور أزمات الرأسماليّة المتكررّة.
ما تزال صورة هذا الاقتصادي المتمرد بمخيلتي عائداً على دراجته إلى منصبه الجامعي، بعدما سجلت الرأسماليّة نصراً آخر على شعب فقير.
يقودني هذا الكتاب، وأنا ما أزال لم أنته من قراءته، الى ظروف مشابهة مرت بها دول أخرى غارقة بمديونية سيكون من الصعب الخروج منها في ظل السياسات المشابهة التي تفرض عليها من نفس الجهات، بلغات وقواعد لم تعد خافية على أحد، حتى أبسط الفقراء.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock