مما لا شك فيه بأن غياب الرواية الأدبية التي تستند عليها أعمال الدراما على الشاشة الفضية، أعطى نفسا كبيرا خلال السنوات الفائتة لمواقع التواصل الاجتماعي، كي تدلي بدلوها في متن النص المقدم، من حيث توجيه بوصلة الفكر والرأي تجاه العمل الدرامي، بما يتواءم مع محركها الخاص، وطلبات مرتاديها، الذين أصبح يهتم بها كثيرا الكتاب والمخرجون والمنتجون، ليضمنوا لأعمالهم فيما بعد، عددا أوفر من “الهاشتاجات” و”اللايكات”!
لهذا لم يكن غريبا أبدا أن تتبدى علاقات مشوهة جدا في دراما هذا العام، بسبب نضوب خيال المؤلفين أو لنقل كسله الطوعي، واعتماده كثيرا على قصص منقولة من أعمال عالمية نالت إعجابا منقطع النظير، من قبل مشاهدين عرب متابعين لقنوات مدفوعة مسبقا. وبالإضافة إلى نقل الكاتب هواجس وأحاسيس وتخيلات رواد المواقع التواصلية، حتى لو كانت بعيدة عن المنطق والعقل والأخلاق.
هذا العام تحديدا، ورغم اضطرار غالبيتنا إلى متابعة الوجبات المقدمة، بسبب قلة قوائم الاختيار، يمكن رصد حجم الصور السلبية التي تستعرض نفسها على الشاشة، وعلى لسان نجوم كبار أو صغار سيان، باعتبارها أمرا مألوفا واعتياديا وعلينا الإقرار بوجوده. العدوانية والسذاجة والفساد والجهل والعنف والغيرة والسطحية والغباء، كلها قدمت نفسها هذا العام، ولربما بالصدفة، على أنها تفاصيل أخلاقنا وتصرفاتنا ونوايانا المبيتة، والمفترض أن نقر بوجودها بل وبتمددها المقبول اجتماعيا. وهذه الصفات بالطبع تستعرض نفسها عبر نماذج مشوهة لشخصيات تمثل الانضباط أو العطف أو الحب مثل رجال الأمن والمعلمين وموظفي الجهاز الإداري في الدولة، والأهم منهم جميعا، الأب والأخ والابنة وباقي أفراد العائلة بالمرة!
على سبيل المثال، في مسلسل “البرنس” المتابع بشدة يقدم وجبة دسمة جدا من تلك العلاقات المشوهة ما بين الإخوة والأزواج والجيران والأصدقاء، بحيث بات من الصعب جدا أن يستمع أو يتابع المشاهد حوارا ليس كاذبا ولا ملتويا خلال حلقة كاملة. والغريب أن مرتادي مواقع التواصل من صغار السن والشباب هم من يدلون بدلائهم في هذا العمل الغريب، على اعتبار أن كل ما جاء فيه هو واقع وليس خيالا! صناعة الدراما في العموم تتحرك عبر أبعاد ثلاثة؛ المحاكاة والتخيل والتنبؤ. ولا شك بأن دراما هذا العام قد اقتنصت بالفعل حكايات منبوذة وغير متقبلة وعمدت إلى محاكاتها بشكل مبالغ فيه، وهذا أحد أدوار الدراما، إنما الخطورة الحقيقية إلى جانب تسلل مفاهيم وأشكال علاقات غريبة إلى إدراك المشاهدين هو أن تنتصر مثل تلك العلاقات المشوهة في نهاية الأمر، وتتكرس حقيقة وقيمة علينا تقبلها والسير على خطاها ذهنياً وعملياً ونفسياً.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock