أفكار ومواقف

على أعتاب المطعوم

بعد مضيّ عام ثقيل على بدء جائحة فيروس كورونا، بتنَا على يقين، من أن هذا الفيروس العَصيّ والعنيد لم ولن يرحل من تلقاء نفسه كما كنا نرجو ونتمنى، فقد أثبت أنه عابر للفصول والظروف المناخية. كما تضاءلت لدينا كل الاحتمالات باكتشاف علاج ناجع للقضاء عليه، بعد أن تعرضنا لخيبة تلو الأخرى، وتراجعت آمالنا بالأدوية التي تفاءلنا بها ولم تثبت فاعليتها. واليوم أصبح الأمرُ جلياً لنا: أن الحل يكمن في تشكيل مناعة مجتمعية لن تتحقق دون برامج تطعيم فعالة وواسعة الانتشار متزامنة مع الالتزام بقواعد الصّحة العامة.
ورغم انقضاء هذا العام بوجومه وبكل ويلاته التي خلفتها ظلال الجائحة، ما زال الفيروس يفتك بالبشر على امتداد العالم، وما زالت أعداد الإصابات والوفيات في تزايد، فها هي الدول تسجل تباعاً أعداداً غير مسبوقة من الإصابات وتُعلن ظهور أنواع “محسّنة” من الفيروس اتسمت بسرعة الانتشار. ولا يعلم أحد ما الذي يخبئه لنا المستقبل وما ينتظرنا من مفاجآت.
لكن الأخبار الجيدة بدأت تتوالى بعد نجاح عدد من التجارب السريريّة على عدد من اللقاحات مما مكنها من اجتياز الشروط اللازمة للحصول على موافقة منظمة الصّحّة العالمية والمؤسسات الصحية والرقابية لاستخدامها في مُختلف دول العالم.
وفعلاً بدأت دول العالم في طرح برامج التطعيم لمواطنيها حسب أولويات مُحددة تم الاتفاق عليها مسبقاً. في محاولة منها لمراعاة المبادئ الرئيسة لأي برنامج تطعيم: من خلال الإقرار بالأولوية للفئات الأكثر عرضة للإصابة أو تأثراً بالمرض، مثل العاملين في القطاع الصحي، وكبار السن، والمصابين بالأمراض المُزمنة.
لكن من الملاحظ أن إقبال الناس على أخذ المطاعيم كان خجولاً نوعاً ما، وقد تأثر بالحملات المناوئة للتطعيم، والتي تتبناها جهات بعضها معروف لنا، وأخرى نجهلها، والتي تحاول أن تستغل مُناخ غياب الثقة الذي أحاط بالجائحة، وتحاول التشكيك في سلامة وفاعلية هذه المطاعيم، خاصة على المدى البعيد. ولا ريب أن الخوف البشري والتوجس حيال أي جديد مشروع ومُتوقع، فما بالك إذا كان هذا الجديد يتعلق بحياة الإنسان؟!
لكن هذا لا يختص بالمطاعيم وحدها فلو أننا رفضنا كل جديد في عالم الطب، فقط لعدم وضوح الرؤيا حول المآلات المستقبلية له، لما تقدّم العلم، وما كنا وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم، ولبقينا نراوح مكاننا تفتك بنا الأمراض والأوبئة.
فلا يوجد علاج أو تداخل دوائي أو وقائي دون أعراض جانبية، ولكن المبدأ الرئيسي في الطب هو المفاضلة بين الفائدة المرجوة والضرر المُحتمل، فلو أننا أحجمنا عن أخذ الأدوية خشية المُضاعفات المُحتملة لما كان بمقدورنا أن نعالج أي مراض ولبقينا نعاني الأمرّين.
نحن أمام خيار التغلّب على مخاوفنا والانحياز إلى العِلم، وإلى المؤسسات الطبية الوازنة أو الانجرار وراء آراء شاذة غير واضحة المعالم والأهداف، فهذه الشبهات التي تثارُ حول المطعوم الحالي، أثيرت سابقا حول المطاعيم الأخرى التي ساهمت بالقضاء على العديد من الأمراض المعدية، وأنقذت أرواح ملايين من البشر. فهل بامكاننا أن نتخيل حال البشرية لو لم يتم القضاء على أمراض مثل، الحصبة وشلل الأطفال وغيرها من الأمراض المعدية التي كانت تودي بحياة ملايين البشر، وتعمل فيهم تقتيلا وتشويها.
أنا لستُ خبيراً مُختصاً في مجال الفيروسات، ولا أدّعي المعرفة في التفاصيل الدقيقة للمطاعيم، لكنني أعي دروس التاريخ والتي تُعلّمنا بأنه لا يُمكن القضاء على الأوبئة دون مطعوم فعّال وآمن، كما أنني أضع ثقتي في مقدرات العِلم، والبحث العلمي والمؤسسات الرزينة التي تنظم وتشرف على هذه الدراسات والأبحاث.
شخصياً، لن أتردد لحظة في أخذ المطعوم حال توفره.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock