أفكار ومواقف

على أعتاب مئوية الدولة

تستعد المملكة العام المقبل للاحتفال بمرور مائة عام على تأسيسها، كانت مليئة بالتحديات والإنجازات. لقد قدّمت الأردن تجربة عربية فريدة في بناء الدولة الحديثة على أسس فكرية وسياسية راسخة مكّنتها من تجاوز التحديات الخارجية الصعبة، واستطاعت أن تنجز تجربة تنموية شكلت علامة فارقة في المنطقة التي شهدت فشل كثير من التجارب والنماذج في بناء الدولة الحديثة وإنجاز التنمية في المنطقة.
وصفة نجاح التجربة الأردنية يمكن اختصارها في التقاء الحكمة والرؤية الهاشمية المستمدة من مبادئ الثورة العربية الكبرى مع إرادة الأردنيين وعزيمتهم في تجسيد نموذج عربي راسخ وجامع وفي الوقت نفسه منفتح على العالم حيث اندمجت القومية العربية والوطنية الأردنية مع العالمية في الدولة الأردنية.
إن أي تقييم موضوعي للمائة عام المنصرمة لا يستطيع تجاهل الإنجازات التي حققتها الأردن، وفي الوقت نفسه لا يمكن تجاهل الإخفاقات التي حصلت في مجالات معينة.
لقد استطاعت الدولة إنجاز العصرنة أو التنمية بدرجة كبيرة من النجاح سواء كان ذلك في البنية التحتية أو تكنولوجيا الاتصال والتعليم والصحة وغيرها من المنجزات التي انفردت بها لفترة زمنية ليست بسيطة. ولكن هذه النجاحات تبرز نفسها بتحديات جديدة من أهمها ارتفاع وزيادة التوقعات المشروعة لمزيد من التقدم لدى المواطنين وهو ما يتطلب مواجهتها بطريقة مختلفة.
بالرغم من هذه الإنجازات وكغيرها من الدول، فإن الأردن اليوم يواجه تحديات جديدة. في السابق، كانت أغلب التحديات خارجية وتم تجاوزها بنجاحات كبيرة وخاصة تلك التي تهدد أمن واستقرار الأردن. اليوم تبدو التحديات داخلية مع عدم إغفال دور التغيرات في البيئة الإقليمية والعالمية في المساهمة بهذه التحديات. التحدي الأبرز هو التحدي الاقتصادي حيث تراكمت المشكلات الاقتصادية على مدى سنوات طويلة وتراجعت قدرة الاقتصاد وازدادت الفجوة التنموية وارتفعت المديونية مع تراجع المساعدات الخارجية وازداد العجز في الموازنة العامة وارتفعت معدلات البطالة ونسب الفقر وما يرافقها من مشاكل وجاءت جائحة كورونا لتفاقم من كل ذلك.
أما التحدي الثاني فيرتبط بالتنمية السياسية، فبالرغم من البدء مبكرًا في عملية التحول الديمقراطي إلا أن الإنجاز في هذا الملف ما يزال يراوح مكانه وهو دون مستوى طموح القائد والشعب وما زالت المشاركة السياسية في صنع القرار متدنية ومشاركة الأحزاب شبه معدومة.
إن الاحتفال بالمئوية لتأسيس المملكة يجب أن لا يقتصر على الاحتفالات بها وإنما يجب أن يشكل نقطة انطلاق جديدة تمكننا من تجاوز التحديات وإحراز مزيد من التقدم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
مواجهة هذه التحديات وتجاوزها ليست صعبة لا بل إنها باتت ضرورية وخريطة طريقها موجودة.
لقد حدد جلالة الملك بأوراقه النقاشية السبعة وكتب التكليف السامي عناصر النهضة المطلوبة سياسيًا والتي تتلخص بضرورة الارتقاء بالحياة السياسية من خلال الوصول إلى حكومات برلمانية تقوم على أسس حزبية، وأما اقتصاديًا فقد حدّد جلالة الملك معالم الطريق بتركيزه على تكريس الاعتماد على الذات كمدخل لمعالجة مشكلاتنا الاقتصادية ومن خلال التركيز على بعض القطاعات الواعدة كالزراعة وتكنولوجيا المعلومات والقطاع الصحي على سبيل المثال لا الحصر. تشكل مناسبة الاحتفال بمئوية الدولة فرصة لإحداث انطلاقة جديدة للأردن وذلك من خلال ترجمة رؤية الملك النهضوية إلى برامج تنفيذية تمكننا من إحراز التقدم المنشود.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock