فنون

“على الخشب” الأردنية: التحرر من سطوة الخوف والتسلح بالإصرار

 سوسن مكحل

عمان– ارتسمت معاني الجدل والتساؤل على وجوه الحضور مساء أول من أمس خلال عرض مسرحية “على الخشب” لزيد خليل مصطفى، وذلك على خشبة مسرح هاني صنوبر ضمن أولى فعاليات مهرجان ليالي المسرح الحر بدورته التاسعة.
في بداية العرض يوقعك المخرج في حفلة تبدو موسيقية؛ ثلاثة يعزفون ويغنون احتفالا بقدوم جثة إلى عالمهم، لتبدأ الحكايات الواحدة تلو الأخرى، وسط غناء خلفي أيضا لفرقة بدى أعضاؤها كأنهم جثث.
هذا المكان البارد وربما الملاذ الآمن هو “البرزخ” الافتراضي لحكايات شخصيات انتهت بالموت في الحقيقة، وها هي تقنع الحضور اليوم أنها “تموت” من أجل أن نصحو نحن!.
تبدأ الجثث بالتوالي الوصول إلى هذا العالم الذي صوره المخرج على أنه “جميل” إلى حد ما، قاصدا التخلص من الخوف المريب لفكرة الموت أو الصمت عن الحقيقة بشكل أعمق.
الشخصيات من؛ عاشقة، عاشق، سياسي، منتهك الارادة، انتقلوا إلى الموت واقعيا، فكيف حالهم إذا هناك في “البرزخ” المفترض بعد الموت؟
تلك المفارقة التي رسمها المخرج بصورة بصرية لافتة، وكأنها عمل فرجوي يحتفي مع الحضور بطقس الموت من خلال أداء الفرقة للأغاني والأناشيد والتهليلات بين وقت وآخر في عالم انتقال الموتى لعالم “البرزخ”.
تتصارع الشخصيات بين الممنوع والمرغوب، بين الدافع والنتيجة، بين الحلال والحرام، وبين أنثى ورجل، بين جوع وبين كفر، بين البصر والعمى بدون خوف هذه المرة. ليتحول هذا الصراع المكشوف في عالم البرزخ بشكل أكثر ألق كما أراده المخرج الحديث دون “خوف”، فتبدأ الشخصيات تعيد تركيب كيانها بدون خوف؛ فالعاشقة تخلصت من واقعها وظلمتها بالحياة لتبدأ اليوم الإصرار على الحياة الأخرى مهما كان شكلها.
ويصبح السياسي سابحا في عالم الموت وله القدرة على التحليل كيف كانت الحياة في العمى “قاصدا” الواقع المرير.
هناك أم أيضا ماتت وتطلب من أولادها أن يحضروا، فهي تخاف عليهم تحبهم، فينتقلون إليها بعد أن جربوا كيف تكون الغربة والعزلة والاختيار أصعب والحلال حراما. وليوسع المخرج الدائرة استطاع أن يسقط اللهجة التونسية والسورية ضمن أحداث المسرحية والتي وظفت في مكانها الصحيح بشكل مميز.
عدة صور رسمها المخرج بالشخصيات في براعة شدت الحضور إلى واقع ملموس ومؤلم يعيشه معظم الناس بين السكوت والرضوخ، من أجل العيش بعيدا عن الحقيقة أو غض البصر عنها تماما.
ومزج المخرج مصطفى العمل بالأناشيد الصوفية والتهاليل التي انسجمت مع واقع المسرحية الذي يتحدث عن الموت “الجلل” والحياة المتوقعة خارج أطر الواقع.
افتراض المخرج لهذه المعادلة المسرحية التجريبية الصعبة التي تحمل رموزا مؤرقة للمشاهد؛ دلالة على تقدم وارتقاء المسرح الأردني الشاب في دعم مسيرة الفن بكل حالته.
العمل قدم رسالته بوضوح من على الخشبة، ومن أجل الأحياء للأحياء بأن يبصروا الحقيقة والتغيير وينتشلوا أنفسهم من الخوف، فالخوف يتحول إلى شيء غير طبيعي، حين يمارسه الجميع كطقس وحيد فيصير الجميع “أعمى البصيرة” ويعم الخراب.
أدى العمل بكل براعة وحضور مميز؛ عبد الكامل الخلايلة، وبيسان كمال ونهى سمارة، زيد خليل مصطفى “المخرج”.
ويضم العمل كلا من الفنانين؛ مراد دمرجيان في التأليف والتوزيع الموسيقي والفنان محمد السوالقة في تصميم وتنفيذ الأزياء والديكور والماكياج، والفنان محمد المراشدة في تصميم الإضاءة، أما الفريق الموسيقي فيتألف من الفنانين؛ غالب خوري، سامر أنور، بسام حاطوم، أيمن فريحات، محمد طه، غدير سماوي، أسماء أبو شقرة، حنين مضاعين، عنود أمجد.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock