ترجمات

على النساء المحجّبات عدم محاولة التقدم لوظيفة في ألمانيا

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

أنشال فوهرا* – (فورين بوليسي) 12/7/2019
تلعب الصور النمطية الثقافية دوراً في عرقلة دخول اللاجئات المسلمات إلى سوق العمل في ألمانيا. وقال الباحث هربرت بروكر: “من الصعب الحصول على معظم الوظائف إذا كانت المرأة ترتدي الحجاب. هنا تكون الصور النمطية الثقافية قيد العمل”. وأضاف: “يحدث هذا أكثر مع الإناث لأنهن يرتدين علامات واضحة على الاختلافات الدينية أو الثقافية. هذا هو السبب في أنه يؤثر على مشاركة الإناث في سوق العمل أكثر من الذكور، هذا هو شعوري”.
* * *
ماذا يعني أن يكون المرء ألمانياً؟ أصبح هذا السؤال التجريدي فجأة أحجية اقتصادية ذات أهمية قصوى هذه الأيام. فمنذ أن فتحت المستشارة أنجيلا ميركل أبواب ألمانيا في العام 2015 لحوالي مليون طالب لجوء، معظمهم من المسلمين السوريين، واجه صناع السياسة الألمان التحدي والفرصة على حد سواء، اللذين يتيحهما دمج الوافدين الجدد في القوى العاملة في البلد.
مع ذلك، كان العمل مع الأغراض المتضاربة التي تنطوي عليها هذه المهمة يلامس جوانب عميقة من الهوية الألمانية. ويجد طالبو اللجوء السوريون صعوبة في الاندماج في الاقتصاد، فيما يعود جزئياً إلى أن أرباب عملهم وزملاءهم المحتملين يشعرون بأن اللاجئين لم يندمجوا جيداً في الثقافة الألمانية. وقد أصبحت أغطية الرأس التي ترتديها النساء أوضح رمز لهذه التوترات -والتي تصبح أكثر وضوحاً بشكل متزايد في البيانات الاقتصادية للبلد.
في الفترة التي سبقت الانتخابات الفيدرالية الألمانية التي أجريت في العام 2017، أشار حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الذي تتزعمه ميركل، وأكبر حزب من يمين الوسط في البلاد، إلى معارضته للأغطية الإسلامية الكاملة للوجه. وقال وزير الداخلية آنذاك، توماس دي ميزير، في نداء إلى الأغلبية المحافظة ثقافياً في البلاد: “نحن لسنا برقُعاً”. وأيدت ميركل تعليقات وزيرها وأيدت الحظر “حيثما كان ذلك ممكناً قانونياً” على غطاء الوجه. وأظهر استطلاع للرأي أجرته هيئة الإذاعة والتلفزيون الألمانية ARD أن ما يصل إلى 81 في المائة من الألمان أيدوا حظر النقاب الإسلامي الكامل للوجه في المؤسسات والمدارس الحكومية. والآن، يتم حظر النقاب الكامل للوجه في معظم المؤسسات العامة، على الرغم من أن ألمانيا لم تصل بعد إلى حد محاكاة الحظر الشامل المعمول به في فرنسا المجاورة.
في نهاية المطاف، كانت تأثيرات مسألة البرقع منخفضة نسبياً لأن نسبة ضئيلة جداً من السكان الإناث في ألمانيا يرتدينه. لكن الشيء نفسه لا ينطبق على الحجاب (غطاء الرأس) الأكثر شيوعاً.
يتفق معظم الألمان على أنه لا ينبغي حظر الحجاب -الذي يغطي عادة شعر المرأة فقط- في كل مكان، لكنهم منقسمون حول ما إذا كان ينبغي اعتباره مقبولاً من الناحية الثقافية. وفي حين أن البعض يقبله من دون الكثير من الجدال، فإن آخرين يجدونه منفراً ويتجنبون التفاعل مع النساء اللواتي يرتدينه. وقد أصبح هذا القدر واضحاً لطالبات اللجوء اللواتي يرتدين الحجاب. فحتى أكثر النساء السوريات تعليماً من اللواتي يعشن في ألمانيا يجدن صعوبة في العثور على عمل؛ وتدعي الكثيرات منهن أن السبب في ذلك هو ارتداؤهن الحجاب.
يهدد هذا الواقع بتقويض سياسة ميركل المفتوحة تجاه اللاجئين. وعلى الرغم من أن تدفق طالبي اللجوء تسبب في ضغوط سياسية، فإنه وفَّر أيضاً إمكانية تحقيق مكاسب اقتصادية. وقد أخبرني العديد من دبلوماسيي الاتحاد الأوروبي بأن المسؤولين الألمان أعربوا عن تفاؤلهم بأن وجود اللاجئين سيعزز النمو المستقبلي لبلدهم، الذي يتقدم سكانه في العمر بسرعة. لكن هذا التحليل يفترض عدم وجود عقبات تمييزية أمام قدرة طالبي اللجوء على العثور على عمل في البلد.
ومع ذلك، وفقاً لآخر دراسة استقصائية أجراها معهد بحوث التوظيف ومركز البحوث التابع للمكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين واللجنة الاجتماعية والاقتصادية، تشارك اللاجئات في ألمانيا في سوق العمل بمعدلات أقل بكثير من نظرائهن الذكور. وفي الوقت الذي أجريت فيه الدراسة الاستقصائية، في النصف الثاني من العام 2017، كان “27 في المائة من الذكور و6 في المائة من اللاجئات منخرطين في سوق العمل”. (بين المواطنين الألمان، كانت نسبة مشاركة النساء في سوق العمل معادِلة لنسبة مشاركة الرجال). وادعى التقرير بأن العائق الأساسي أمام انخراط النساء المهاجرات عن العمل يتعلق بالمعايير الأسرية، والتي تتوقع منهن تربية أعداد كبيرة من الأطفال.
كما أشار التقرير أيضاً إلى أن مشاركة النساء اللواتي ليس لديهن أطفال في العمل كانت سيئة بالقدر نفسه، على الرغم من أن التقرير فشل هنا في تقديم أسباب محددة للتفاوت بين نسبة العاملات الإناث والعاملين الذكور. وقال هربرت بروكر، أحد مؤلفي الاستطلاع، إن أحد العوامل قد يكون أن لدى اللاجئات السوريات خبرة عمل أقل في بلدانهن الأصلية، وأن معدل التحاقهن بدورات تعلم اللغة الألمانية هو أقل من الرجال في ألمانيا.
لكن هذا هو المكان حيث تكون شهادة النساء المهاجرات أنفسهن مفيدة. في بوخوم، خارج مدينة دورتموند الجامعية مباشرةً، كانت أمان محمد نبعة تقوم بتعليم ابنتها كيف تتحدث باللغتين الألمانية والإنجليزية من خلال العروض الكاريكاتورية على قناة “نتفلياكس”. وقالت نبعة بلغة إنجليزية طليقة، قبل أن تتحول إلى الألمانية بكل سهولة: “أنا أتقن اللغتين العربية والإنجليزية، والآن الألمانية. أريد لابنتي أن تتعلمها أيضاً”.
نبعة امرأة سورية وطبيبة أسنان. وهي موجودة في ألمانيا منذ العام 2016، ولغتها الألمانية متقدمة بما يكفي للتواصل بطريقة احترافية. لكن محاولة تأمين تدريب مهني لنفسها في العيادات كانت كفاحاً حقيقياً. وقالت: “نظروا إلى طلبي وأحبوا مؤهلاتي واتصلوا بي لإجراء مقابلات معهم، ولكن عندما رأوني بالحجاب، بدا الأمر كما لو أن شيئاً قد تغير”. وأضافت: “بل إن البعض سألوني عما إذا كنت مستعدة لخلعه. وعندما قلت لا، طلبوا مني انتظار ردهم. وعادة ما رُفض طلبي. ليس لدي أي دليل، بالطبع، لكن موقفهم يجعلني أعتقد أن ذلك يحدث بسبب حجابي. وقالت: “إنني أتساءل عن أي علاقة لحجابي بكوني طبيبة أسنان. مهاراتي موجودة في رأسي، وليست في شعري”.
تعرف نبعة نساء أخريات يعانين من المأزق نفسه. ميس، وهي صديقة سورية، تتمنى أن تكون مستشارة ضريبية. وهي، أيضاً، تحاول الحصول على فترة تدريب داخلي، لكنها تخشى أنها ربما تكون قد فشلت في ذلك لأنها ترتدي الحجاب.
تعترف طالبات اللجوء بأنه لا يمكنهن إثبات ادعاءاتهن بالتمييز ضدهن بأدلة موثقة. وقالت نبعة إن أصحاب العمل يمكنهم دائماً مواجهة تأكيداتها بالقول إنها لا تملك المؤهلات الدقيقة التي يبحثون عنها. ولكن، إذا كان الأمر كذلك، فإنها تتساءل عن السبب في أنهم يتكلفون حتى عناء الاتصال بها لإجراء مقابلة؟ وفي الوقت نفسه، كما تقول نبعة، فإن الرفض يتوجه إليها بشكل يومي بينما تتنقل في ألمانيا. وقالت إن الرجال غالباً ما يشيرون إليها في الشوارع أو في وسائل المواصلات العامة أو أنهم ينظرون إليها باستنكار، في إشارة إلى أنهم لا يوافقون على ملابسها.
وقالت نبعة إنها يمكن أن تتعامل مع الإهانات اليومية، لكن إبقاءها خارج سوق العمل بطريقة مهينة هو شيء يصعب عليها التكيف معه. وأضافت: “أنا ممتنة لكوني هنا وليس في سورية حيث يمكن أن يعتقلنا النظام، ولكني أريد أن أكون قادرة على كسب قوتنا والعيش باحترام”.
وقال بروكر، المشارك في إجراء الاستطلاع، إن بحثهم وجد أن أكثر من 80 في المائة من اللاجئات يرغبن في الحصول على وظيفة عاجلاً أم آجلاً. وقال إن معظم اللاجئين يدعمون المثل الديمقراطية حتى بمعدلات أكبر من المواطنين الألمان أنفسهم.
ومع ذلك، تلعب الصور النمطية الثقافية دوراً في عرقلة دخول اللاجئات المسلمات إلى سوق العمل. وقال بروكر: “من الصعب الحصول على معظم الوظائف إذا كانت المرأة ترتدي الحجاب. هنا تكون الصور النمطية الثقافية قيد العمل”. وأضاف: “يحدث هذا أكثر مع الإناث لأنهن يرتدين علامات واضحة على الاختلافات الدينية أو الثقافية. هذا هو السبب في أنه يؤثر على مشاركة الإناث أكثر، هذا هو شعوري”.
كانت دوريس ويشسيلباومر، رئيسة معهد الدراسات النسائية والجنسانية في جامعة يوهانس كيبلر في لينز، النمسا، قد أجرت دراسة في العام 2016 حول الصعوبات نفسها التي تواجهها النساء اللواتي يرتدين الحجاب اللواتي ويحملن أسماء تركية في ألمانيا. وقالت إن النساء السوريات يواجهن الآن تلك القيود نفسها. وأضافت: “في دراستي، كان على مقدمة الطلب التي تحمل اسماً تركياً وترتدي الحجاب أن ترسل 4.5 أضعاف عدد الطلبات التي ترسلها متقدمة بالمواصفات نفسها تحمل اسماً ألمانياً ولا ترتدي الحجاب”. وقالت: “هذه المستويات العالية من التمييز لا تشجع النساء اللواتي يرتدين الحجاب على المشاركة في سوق العمل، وبالتالي تثبطهن عن الحصول على التعليم. وهذا يجعل النساء أكثر اعتماداً على الشركاء الذكور وعلى الدعم المحتمل من الدولة”.
وقال كريس ميلزر، المتحدث باسم مكتب المفوضية العليا اللاجئين التابعة للأمم المتحدة في برلين، إن المواقف الألمانية تجاه الحجاب لا تنبع بالضرورة من الخوف من الإسلام. وقال: “يعتقد الكثيرون في ألمانيا أن الحجاب يظهر عدم المساواة بين الجنسين، ومساواة المرأة مهمة للغاية في ألمانيا”. وباستثناء المصابين برهاب الإسلام، يرى قسم من المثقفين الألمان أن الحجاب هو رمز للاضطهاد، وتقليد يعبر عن كره النساء. وثمة مفارقة هنا بطبيعة الحال: من خلال تثبيط النساء عن الدخول في سوق العمل، وبالتالي إبقائهن في المنزل، ربما يكون الألمان بصدد تعزيز النزعة الدينية المحافظة والافتقار إلى الاندماج الثقافي اللذين يقولون إنهم يعترضون عليهما.
قد تكون العقبات الثقافية التي تمنع النساء من العثور على عمل موجودة لدى النساء من طالبات اللجوء اللواتي يرتدين الحجاب أنفسهن أيضاً. وقال مهاجر سوري يدعى محمد وادي إن زوجته تشعر بالإحباط حتى من التقدم لوظيفة من الأساس. فباعتبارها مصففة شعر عملت في صالونات التجميل المخصصة للنساء فقط في سورية، شعرت بأنها ستضطر إلى خلع حجابها أينما كان المكان الذي تعمل فيه في ألمانيا. كما تسببت حادثة وقعت لابنتها، التي ترتدي الحجاب أيضاً، في مضاعفة مخاوفها. وقال وادي إن ابنتهما كادت أن تُدفع إلى سكة قطار من قبل صبيين ألمانيين. وأضاف: “والد أحد الولدين لم يبدِ أي ندم. وبالطبع، كان لذلك تأثير على زوجتي، وهي تشعر بالإحباط الشديد”.
بالنسبة لنبعة، فإنها حصلت أخيراً، في محاولتها الخامسة، على تدريب في معالجة الأسنان. وقالت إن البحث المطول عن وظيفة تركها في حالة من الإحباط. ولكن، حتى من ذلك لن تسمح للأمر بالتأثير على كيفية تربيتها لابنتها، التي تصر على أنها ستتمتع بحرية تقرير ما إذا كانت سترتدي الحجاب أم لا. وتقول نبعة: “سوف يكون هذا جيلاً جديداً. لديها جذورنا بطبيعة الحال، لكنها تنشأ في بلد مختلف. يمكنها أن تختار مَن تريد أن تكون”. أما إذا كان هذا الاختيار الشخصي سيتعارض في نهاية المطاف مع قدرتها على العثور على وظيفة، فشيء يبقى أن تكشفه الأيام.

*صحفية تقيم في بيروت.
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Women With Headscarves Need Not Apply in Germany

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock