ترجمات

على الولايات المتحدة حماية حلفائها المدنيين السوريين قبل فوات الأوان

نضال بيطاري* – (معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) 18/10/2019

قد لا تكون العواقب الفعليّة لانسحاب القوات الأميركية من سورية معروفة بالنسبة إلى عامة الشعب الأميركي. وفى حين تركّز معظم وسائل الإعلام الأميركية على الناحية العسكرية من المشكلة، وبينما يفقد الاتحاد الأوروبي صوابه بسبب احتمال هروب مقاتلي تنظيم “داعش” إلى أوروبا، فإن عواقب انسحاب القوات الأميركية من سورية ما تزال غير معروفة بالنسبة للمدنيين الذين يعيشون في شمال شرق سورية. ولذلك، من الضروري للغاية مناقشة الوعود التي قدمتها الولايات المتحدة للسوريين الذين ساعدوا في تسهيل دخولها إلى سورية، والتي انهارت الآن. وخلف كل ذلك تكمن قصة أخرى، وهي قصة شعبٍ يتم التخلي عنه ليُترك في انتظار مصيره المجهول.
في شرق سورية، تفكَّكَ المجتمع مراراً وتكراراً بسبب تغييرات السلطة والجماعات المسلّحة التي سيطرت على المنطقة، والتي تأرجحت ما بين القوى الإقليمية والجماعات المسلحة على مدى السنوات الثماني الماضية. وعندما قررت الحكومة الأميركية إرسال القوات إلى سورية، تم الشروع بالتحضيرات لإنشاء البنية التحتية لهؤلاء الجنود من أجل الحفاظ على سلامتهم. ولم تُنشَر القوات الأميركية على الأرض في ليلةٍ وضُحاها. بل احتاج الأمر إلى أشهرٍ لبناء شبكة قويّة على الأرض من أجل استقبال هؤلاء الجنود. وتولّى بناء هذه الحاضنة الآمنة السوريون الذين وثقوا بأن الولايات المتحدة كانت آتية لدعم قتالهم ضد تنظيم “داعش”، وحمايتهم من القوى الثلاث المختلفة التي تتربص بهم ليلاً ونهاراً من كافة الجهات وهي: الحكومة السورية وأجهزة استخباراتها النشطة في المنطقة؛ والإيرانيون وحرسهم الثوري وميليشياتهم؛ والأتراك ونفوذهم القوي في شرق سورية.
خاطَرَ عدة ناشطين بأرواحهم من أجل دعم المؤسسات الأميركية مثل “الوكالة الأميركية للتنمية الدولية” ووزارة الخارجية ووكالات أميركية أخرى، وخاصة في مساعدتها على فهم التعقيد الاجتماعي-السياسي على الأرض. وعمِلَ جميعهم بشكلٍ متخفّ، وقُتل الكثيرون على يد تنظيم “داعش” بسبب عملهم، إذ اتّهمهم التنظيم بالعمل لصالح الحكومة الأميركية و”التحالف الدولي ضد تنظيم داعش”. وبدأ أولئك الذين نجوا من تنظيم “داعش” والنظام بالعمل علنًا لصالح الوكالات والمنظمات الدولية غير الحكومية والمنظمات غير الحكومية وغيرها من المؤسسات التابعة للولايات المتحدة. ووثقوا بأن الولايات المتحدة ستساندهم ولن تتركهم من دون إيجاد حلٍّ دائم في سورية. وشعر جميع هؤلاء الناس بالأمان بسبب وجود الجيش الأميركي في المنطقة.
ومع القرار الحالي بسحب القوات الأميركية من سورية، لم يعُد هؤلاء الناس في أمانٍ بعد الآن. وفي ظل غياب أي خطة طوارئ لحماية هؤلاء الحلفاء المحليين، لم يعُد أمامهم إلا خيار البقاء وانتظار القوى الأمنية السورية والميليشيات حتى تأتي وتعتقلهم، ونقوم بعد ذلك بتوثيقهم على أنهم من “المختفين قسراً”.
من الجدير بالذكر هنا إنني أتحدث عن قسوة النظام من خلال تجربتي المباشرة في سورية، فالبعودة إلى العام 2005، أخضعتُ للاستجواب بشكلٍ متقطّع على مدى عامٍ لأنني كنتُ أُجري الأبحاث حول المثليّة الجنسية والتغيير الاجتماعي في دمشق. وتمحور الاستجواب إلى حدٍ كبير حول التأكد من أنني لم أتلقَّ أي تمويل من منظمة حقوق الإنسان المدعوّة “بيت الحرية” (فريدم هاوس) التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها. وسمحَت لي القوى الأمنية بالذهاب حين تأكدت من أن هذه الأبحاث يتم إجراؤها لصالح بحث جامعي. وذلك لأن العمل مع منظمة غير حكومية أو منظمة دولية غير حكومية في الولايات المتحدة يشكل خيانة بنظر النظام السوري.
ولذلك، حين اتصل بي زميلي تفهّمتُ مخاوفه. وقد اتصل بي وقال: “كانت لدينا الفرصة لمغادرة سورية، وبقينا لأننا وثقنا بأن الولايات المتحدة ستساعدنا ضد تنظيم “داعش”، وستساعدنا في مشروعنا الديمقراطي. حسناً، الآن خسرنا هذا المشروع ونحن عالقون هنا. أشعر بأن أيامي مع عائلتي باتت معدودة. سأمضي وقتي في معانقة أولادي إلى أن تأتي القوى الأمنية وتأخذني”.
علينا أن نتذكّر أنّ ذلك حدث في سياقٍ مختلف في الضواحي الجنوبية الغربية لدمشق في الغوطة عندما أعطى الروس ضمانات للمدنيين بأنهم سيكونون في مأمن. وبدلا من ذلك، كان ما حدث فعليًّا هو أن النظام أوقف عشرات المدنيين والناشطين، الذين لم تسمع عائلات بعضهم أي خبرٍ عنهم منذ ذلك الحين، والذين أُضيفوا إلى اللوائح الطويلة لأولئك المختفين قسرا.
كما أوضح زميلي، ربما فر الكثيرون من مناطق مختلفة في سورية، بينما لم يتلقَّ الناشطون والجهات الفاعلة من المجتمع المدني، تمامًا كباقي العالَم، أي إنذار مسبق بأن لحظة الانسحاب المفاجئ هذه قد تأتي وأن عليهم الاستعداد. وبالأحرى، استيقظ كل الذين يعملون في مجال التنمية والمساعدات الإنسانية من السكّان المحلّيين والخبراء الأجانب، من داخل سورية وخارجها، على عشرات الرسائل على هواتفهم حول مشاريع يتم تعليقها، ورسائل من زملائهم على الأرض يسألون فيها عمّا يحدث. وأعلنت عدة منظمات في وقت لاحق أنّها ستعلّق كافة برامجها في المنطقة وتسحب طاقم موظّفيها المغتربين منها، مثل منظمة “أطباء بلا حدود” التي أعلنت أنّ عليها إيقاف معظم عملياتها وإخلاء موظّفيها الدوليين.
بالنسبة لي، لم يكن لديّ أدنى فكرة عمّا يجب قوله لموظّفينا. وقد شعرت بالذنب لوجودي في العاصمة واشنطن وباليأس لعجزي عن التفوّه بأي كلمات مطمئنة أو عن إعطاء أي أمل. والأمر الوحيد الذي كنت أصنعه ولم يكن لديّ أدنى شك حياله هو أنهم جميعهم في خطرٍ شديد، وأنه ما من وقتٍ كافٍ لأيٍّ منهم يمكنهم من الهرب إلى مكان آمن.
يقع على عاتق الولايات المتحدة واجب أخلاقي يتمثّل في حماية أرواح عشرات الجهات الفاعلة من المجتمع المدني والناشطين الذين لعبوا دوراً كبيراً في تسهيل دخولها إلى سورية. فلا يجوز أن تنسحب القوات الأميركية من دون تأمين سلامتهم وإجلاءهم إلى دول آمنة، وذلك أقل ما يمكن للحكومة الأميركية القيام به تقديراً لهم على الجهود التي بذلوها لمساعدتها على مدار أعوام. لم يبقَ بعد الآن أي مكان آمن للسوريين، لا سيّما الأكراد الذين ساعدوا الولايات المتحدة بشكل كبير وفعال.

*كاتب متخصص في مجال الديمقراطية والتنمية، ولديه أكثر من خمسة عشر عاما من الخبرة الميدانية في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. يحمل بيطاري درجة الماجستير في علم الاجتماع السياسي، وهو مؤسس مشارك في منظمة “الشعب يريد التغيير” غير الحكومية، ومقرها العاصمة الأميركية واشنطن.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock