أفكار ومواقف

على حاجز “زعترة”

لم يسعفني الخيال برسم صورة مناسبة للحاجز العسكري الذي لطالما صدمنا اسمه في نشرات الأخبار الكثيرة، قبل أن يتراجع الخبر الفلسطيني إلى ذيل قائمة الاهتمام في الوجدان العربي، ويتلاشى تدريجيا من نشرات الأخبار التي احتفت بجرائم الميليشيات والفلول والمعارضة والموالاة والأنظمة في زمن دموي منحوه قسرا اسم “الربيع العربي”.
كان أيار يفتح بابه للذكرى، ونحن نترك رام الله خلفنا، متوجهين نحو الشمال الغربي إلى مدينة طولكرم، حيث قرية دير الغصون. قيل لي إن القرية قريبة الشبه من قريتي، فسرينا نحوها، ونحن نعد الخطى وفق خفق القلب.
الاعتياد يقتل دهشة الأشياء، ويقتل الغضب والفرح. في مرّتي الأولى على حاجز “زعترة” الذي يقطع أوصال الوطن الفلسطيني، وقفت بغضبي الكامل أتامل جنودا قليلين يتحكمون بمصير آلاف العابرين اليوميين للحاجز.
فتيان صغار السن بملابس عسكرية وبنادق أطول من قاماتهم. يحاولون التصرف بعدائية تجاه المارين من على الحاجز. أحيانا يغلقونه لمجرد التسلية، ويقفلون على أنفسهم صناديقهم الزجاجية، وهم يتطلعون في الوجوه العربية التي امتلك كل واحد منها سببا يجعله مضطرا لانتظار الفرج من أجل أن يعبر الحاجز.
في وجوه راكبي السيارات خريطة كبيرة من الأحلام والأوهام. هؤلاء تركوا وحدهم لأكثر من نصف قرن ليواجهوا وحش الاحتلال الذي لم يترك موبقة إلا وفعلها بهم، مدفوعا بتأييد دول كبرى لغطرسته ونذالته، وتجبره بشعب أعزل لم يرتكب أي جناية سوى أنه رفض التفريط بأرضه التي ورثها أباً عن جد. ومدفوعا أيضا، بصمت عربي جلله العار.
الفتى الصهيوني الصغير الذي قرر أن يحمل بندقيته الطويلة واضعا خوذته على رأسه، ويتمشى بين صفوف السيارات، حاول رسم رباطة الجأش على محياه، وهو يتفرس في وجوده الفلسطينيين الذين لم يعيروه انتباها، حاول أن يرسم حدود السلطة على ذلك الحاجز العسكري، ليقول: “انا السلطة، وأنتم تحت إمرتي”. غير أن ملامحه كانت تشي بارتباك وبخوف غامض ظل يداريه بنظرة فوقية، وحين فشل، قفل عائداً الى زملائه، وجلسوا قبالة حشد السيارات ينظرون بلا مبالاة.
عشرات السيارات كانت تنتظر الفرج، وفي كل واحدة منها حكاية او حكايات. يخبرني رفيقي إن هذا الحاجز شهد عشرات الولادات التي كانت تنتظر السماح لها بالعبور نحو مستشفى ما. وهنا أيضاً، توفي عديدون كانوا بحالات طارئة ولكن الاحتلال المجرم أخّر عبورهم. ليخرج السر الإلهي من أجسادهم المريضة المنهكة.
“زعترة” واحد من عشرات الحواجز التي تعمل تقطيعاً في جسد الضفة الغربية المحتلة، والتي يعمد الاحتلال إلى غلقها عند بدء القيام بأي عملية أمنية ضد أي منطقة، لتسهيل عزلها عن محيطها، أو أنه يغلقها لمجرد التنكيل بالفلسطينيين وبحياتهم. بهذه الحواجز، ثم تسهيل السيطرة على الفلسطينيين، وإخضاعهم لسلطة الاحتلال البشعة. ومع ذلك ظل الفشل حليفه في قهر روح الفلسطيني، فبين فترة وأخرى، تثور الضحية على الجلاد، ويقهره وسط تحصيناته الأمنية، عن طريق عمليات نوعية ضد جيش الاحتلال، يسببون له فيها الألم الشديد.
القرى والمدن الفلسطينية التي تتحدث صفقة القرن عنها اليوم بصفتها (كتلاً فلسطينية)، يوجد فيها فلسطينيون يؤمنون بحقهم التاريخي في أرضهم، وهم متأكدون بأن بمقدورهم إفشال أي مخطط لا يأخذ حقهم التاريخي هذا بعين الاعتبار.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock