“أم محمد” تستدعي كل الحجج الواهية وغير الواهية، لكي تبرر لأبنائها الخمسة، خاصة الكبار منهم، لماذا ستكون قطائف هذا العام مختلفة قليلا عما كانت عليه في السابق. تحاول أن ترسم على وجوههم تعابير من مخيلتها تريح قلبها مؤقتا، وكأنهم اقتنعوا فعلا بأن “موديل” السنة مفتوح وليس مغلقا كهلال رمضان، وحشوته سكر مطحون أو رائق، كل حسب ذوقه الخاص!
“الأستاذ معمر” يحاول أن يمحو من ذاكرته القريبة، أحاديث طلاب الصف الثاني وهم يستذكرون سحورهم أمام بعضهم بعضا. يقرر أن لا علاقة بأبنائه المنتظرين على عجل، وطلابه الذين تركهم يتضاحكون على البؤس الذي وصلوا إليه وكأنهم كبار ناضجون، يسخرون من تقلبات الأيام. يؤشرون على أصابعهم كدليل قطعي يؤكد صيامهم الكامل. فهم لم يعودوا صغارا بعد اليوم، وكاسات الشاي مع الخبز والكعك تفي بسد جوعهم حتى وقت الأذان.
“ماري آن” تمشي وراء الطابور بشكل آلي وهي تمسك بهاتفها النقال، تراسل أبناءها من بعيد وترسل لهم صور الناس في المخبز الشهير، وهم يقفون بالعشرات أمام بائع حلوى لم يسمعوا بها من قبل. تضحك على تعليقاتهم الساخرة، وتلتفت حولها لتتأكد أن لا أحد قد فهم شيئا من الكلام. ترسل لهم قبلاتها بصوت عال، وتحدثهم بعجب عن السفرة الطويلة العريضة لعائلة مكونة من ثلاثة أنفار، وهم لا يأكلون أصلا! وحين يطلب أولادها بمزاح أن ترسل الباقي عبر البريد إليهم، تعدهم أنها ستعود قريبا لتطهو لهم سمكا وخضراوات وأرزا دافئا جدا.
“صابرين” وعدت أسرتها أنها لن تعود بدون قطائف طازجة هذا العام، اعتقدت أنها ستلتقفها سريعا من جانب عملها في فرع البنك المجاور، بدون أن تتخيل للحظة كم كان والدها رحمة الله عليه، مع تعبه ومرضه وسنه الكبيرة، يقف صابرا مرابطا في الطابور، فقط حتى لا يحرم صابرين وأسرتها من فرحة الاعتياد عليه كجالب القطائف المرح الطيب. يكاد ينقبض صدرها من الألم والحزن بمجرد أن تخاله واقفا بين الجموع مكابرا على آلامه، من أجل سعادة صغيرة جدا، حفرت في ذاكرتهم فقدا كبيرا لن تعوضه الأيام.
“نديم” استعد أن يجلب اليوم وجبة الحلوى بنفسه بل ويحضرها حشوا وترتيبا وتصنيفا، لتكون جاهزة للقلي فور الانتهاء من وجبة الإفطار التي دعي إليها من جيرانه المسلمين. يسعد كثيرا بهذا الطقس السنوي الجميل، ويعتبر نفسه تقريبا صائما بعد أن حرم على نفسه الطعام على الأقل حتى هذه الساعة المتأخرة.
اعتاد أن يشارك أولاد جيرانه مذ كان طفلا تفاصيل الشهر الكريم، ولم يتوقف لا هو ولا هم عن تلك العادة حتى بعد أن هاجر والداه إلى أميركا منذ سنوات. بل إنهما الآن على أحر من الجمر للحظة ضرب المدفع، كي يشاركوهم الإفطار عبر “سكايب”، ويتحسرون على طعم العرق سوس والتمر هندي، الذي لا تشبهه أي حلاوة في بلاد الاغتراب.
“أبو السعيد” لا علاقة له بالسعادة بتاتا! حارس صف طابور القطائف، أو مدير الحركة كما عين نفسه. نار تمشي على قدمين، يتأفف بصوت عال بمناسبة وغير مناسبة، يراقب تحركات الناس في الصف، ويتدخل أحيانا بشاشات هواتفهم حين يفتحونها أمامه. يستدعي الشر استدعاء لأي بادرة للخروج عن الطابور، حتى لو لم تكن مقصودة. يعتبر نفسه مسؤولا عن تنظيم حركة المخبز دخولا وخروجا، حتى بعد أن يقضي حاجته وينتهي من الشراء. لا يمكن أن يمر يوم واحد بدون أن يكون “أبو السعيد” طرفا في مشكلة أو عراك ينتهي عادة بانتصاره بالصوت العالي، وبأقدمية الحضور!
على طابور القطائف، حكاياتنا اللطيفة والمريعة والعادية. إنهم نحن في الشوارع والمحلات والعمل والجامعات. لكننا وبدون أن ننتبه، نقف واء بعضنا!

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock