ترجمات

على طريق الدموع: من مفكرة مراسل صحفي

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

تقرير خاص – (الإيكونوميست) 10/9/2021

يجتاز مراسلنا جنوب مدغشقر، وهي منطقة على شفا المجاعة، ويكتب من هناك وسط القيود على الأجانب بسبب “كوفيد – 19”
* * *
لدى حيوانات الليمور الراقصة في أفلام الصور المتحركة، وأشجار “خبز القرود” المهيبة، والأفلام الوثائقية الباذخة حول التنوع البيولوجي الاستثنائي لمدغشقر الكثير لتفسره وتجيب عنه. فقد رسمت هذه العروض صورة لرابع أكبر جزيرة في العالم، والتي تتعارض بشكل صارخ مع الواقع: إن مدغشقر هي واحدة من أفقر البلدان على وجه الأرض. ولأنها حظرت دخول الصحفيين الأجانب (إلى جانب معظم الأجانب الآخرين، في محاولة لإبطاء انتشار “كوفيد -19”)، فإن قلة من الناس في العالم الخارجي على دراية بالمجاعة التي خلفت أكثر من مليون إنسان يعانون الجوع في جنوب الجزيرة. وقد تهرَّب كاتب هذه السطور من الحظر.
هذه هي قصة الرحلة التي بلغت مسافتها 110 كيلومترات، من مدينة فورت داوفين إلى أمبوفومبي على طول “الطريق الوطني 13″، أو RN13. ويمكن أن يُطلق عليه أيضًا اسم طريق الدموع.
سُميت فورت داوفين في العام 1643 على اسم وريث العرش الفرنسي، الصبي الذي سيصبح لويس الرابع عشر، “ملك الشمس”. و”تولاغناروهو” اسمها الملاغاشي، ولكن يبدو أن القليل من أهل البلد يستخدمونه. ومنذ العام 1825 كانت هذه المدينة حامية عسكرية لقوات إمرينا من مرتفعات مدغشقر، الذين احتلوا وأخضعوا معظم الجزيرة وأنشأوا فيها دولة بدائية في فترة ما قبل الاستعمار. وفي وقت لاحق، بعد الفتح الفرنسي في أواخر القرن التاسع عشر، ازدهرت المدينة. لكنها الآن معزولة تماما. ليس ثمة طرق معبدة للوصول إلى هنا، وهناك عدد قليل جدًا من الرحلات الجوية. وتأتي بعض البضائع عن طريق السفن. وبعض الوظائف هنا توفرها شركة تعدين تملك معظمها شركة “ريو تنتو”، وهي شركة أنجلو-أسترالية. وقد دفعت الشركة من أجل إنشاء طرق في المدينة، لكن هذه الأموال سرعان ما تلاشت. وحتى لوحة إعلانات الطيران، الـ”ما- قبل- إلكترونية”، في المطار تلمح إلى ما سيأتي بمجرد أن تغادِر المدينة. لم يكن ثمة تطور من أي نوع تقريبًا في هذه المنطقة منذ عقود.
غادِر فورت داوفين في الصباح الباكر، وستجد الطريق غاصّاً بالأشخاص القادمين إلى المدينة؛ رجال يحملون أربعة أو خمسة أكياس من الفحم موضوعة بشكل غير مستقر على ظهور دراجاتهم الهوائية. ولدى حوالي 15 في المائة فقط من سكان مدغشقر كهرباء، ولذلك، يشكل الفحم المصدر الرئيسي لوقود الطهي. لكنَّ قطع الأشجار بحثًا عن تصنيع الفحم دمَّر مدغشقر، حيث أدى إلى تآكل التربة وهبوب العواصف الرملية وتدمير الموائل لكثير من النباتات والحيوانات الفريدة في البلاد. في العام 1960، كان عدد سكان مدغشقر نحو 5 ملايين نسمة. والآن أصبح عددهم 27 مليوناً. وأدى هذا الانفجار السكاني وما تلاه من جوع للأرض إلى تدمير الغابات المطيرة التي كانت ذات مرة شديدة الكثافة.
بعد ضواحي فورت داوفين، أصبح الطريق مجرد مسار وعر مليء بالأخاديد والحفر، موحلاً بعد المطر، ثم مترباً بعد ذلك فحسب. ولأن هناك عدداً قليلاً جدًا من الطرق المعبدة في الجزيرة، يستغرق الأمر ما بين يومين وثلاثة أيام للوصول إلى أنتاناناريفو، عاصمة مدغشقر. ويُستخدم ميناء فورت داوفين بشكل أساسي للتصدير من منجمها والقليل من الأشياء الأخرى فحسب. ويعني ضعف البنية التحتية أنها لا تكاد توجد أي تجارة يُعتد بها، سواء في داخل الجنوب أو بين الجنوب وبقية البلاد. ونتيجة لذلك، فإن أي شيء لا يتم إنتاجه محليًا يكون ثمنه أغلى بكثير منه في الأجزاء الأخرى التي يسهل الوصول إليها في مدغشقر. وما يزال هذا الجزء من الجنوب ميسور الحال نسبيًا -فقد كان المطر يهطل هنا. ويكدح القرويون في الغيطان وحقول الأرز. والأرز هو الغذاء الأساسي في مدغشقر، وهو إشارة إلى حقيقة أن أسلاف العديد من سكان مدغشقر لا ينحدرون من أفريقيا، وإنما من ما يعرف الآن بإندونيسيا. ولأنهم يعيشون في جزيرة كانت معزولة نسبيًا عن القارة لفترة طويلة، فإن الملاغاشيين لا يعتبرون أنفسهم أفارقة حقاً.
تقع بلدة مانامبارو الصغيرة على بعد واحد وعشرين كيلومترًا إلى الغرب من فورت داوفين. ويعني الاسم “يحتوي على الكثير من الفارو”، والفارو هو نوع من الأشجار، لكن البلدة لم تعد تحتوي على الكثير منه بعد الآن. فقد تم تقطيع معظمه وتحويله إلى فحم منذ أعوام. ومع ذلك، تضج أكشاك السوق بالطعام. وبينما كانت بريجيت تغرف الأرز في علب صغيرة لتبيعه لزبائنها، أوضحت أن بعضه يأتي من مدغشقر والبعض الآخر مستورد. وتقول: “الأرز الباكستاني ليس بالجودة نفسها. إنه لا يتمتع بجودة المذاق نفسها”. وتقول إنه قد يكون قديماً أيضًا. وقد يكون هناك طعام في البلد، لكن فيروس “كوفيد- 19″ والجفاف في جنوب مدغشقر أضرا بالاقتصاد بشدة. وحتى مع انخفاض دخل الناس، ارتفع سعر الأرز خلال العام الماضي بنسبة تتراوح بين 17 و30 في المائة، اعتمادًا على النوع.
بعد مانامبارو، يصعد الطريق متسلقاً عبر الجبال. والجبال تعمل كحاجز طبيعي. إلى الشرق منها، يتساقط المطر عندما تصطدم السحب التي تهب من المحيط الهندي بالقمم. لكن المناخ أكثر جفافاً في الغرب. وبينما يهبط الطريق منحدراً على الجانب الآخر، فإنه يمر عبر غابة من نبات الصبار الشوكي. في عشرينيات القرن الماضي، جلب الفرنسيون الخنافس القرمزية إلى هنا لتطهير الأرض وتحضيرها للزراعة. وكانت النتيجة مدمرة. في غضون بضعة أعوام، دمرت الحشرات تمامًا نباتات الصبار التي كانت الزيبو، أو الماشية المحلية ذات الحدبة على الظهر، تقتات عليها. وتسبب ذلك في مجاعة في العام 1930، والتي مات خلالها حوالي 10.000 رأس من حيوانات الزيبو وما يصل إلى ألف من رعاة الماشية. واليوم، بينما تتركز الأنظار على COP26، مؤتمر الأمم المتحدة المقبل لتغير المناخ، يجادل بعض المسؤولين داخل الأمم المتحدة بأن الجفاف في الجنوب هو أول ما ينجم عن تغير المناخ. وفي واقع الأمر، ابتليت المنطقة بـ”كيري” keré، التي تعني كلاً من “الجفاف” و”الجوع”، لأكثر من قرن. وكانت أول مجاعة مسجلة ناجمة عن الجفاف قد حدثت في العام 1895، تلتها العشرات منذ ذلك الحين. وكانت المجاعة تستمر في الماضي لبضعة أشهر أو لموسم واحد. لكنها أصبحت تستمر الآن لأعوام عدة.
في أمبوساري سود، يعبر الطريق الوطني 13 نهر مندراري. لكن منسوب النهر الآن أكثر انخفاضاً بكثير مما ينبغي أن يكون في هذا الوقت من العام. وتمتلئ الضفاف بالنساء اللواتي يغسلن الملابس وأنفسهن. وهن يشتكين من أن القرويين من خارج المدينة يجلبون قطعانهم من حيوانات الزيبو، ما يجعل مياه النهر قذرة. وتأتي العربات التي تجرها حيوانات الزيبو أيضًا لأخذ المياه وبيعها في القرى الجافة. والبحث عن المياه في هذه المنطقة هو الشغل الشاغل. ويتطلب الحصول عليه إما الوقت أو المال.
أدى تغير المناخ إلى تفاقم موجات الجفاف. وكذلك فعل تقطيع الأشجار. وهنا انغمس الفرنسيون الاستعماريون على نطاق واسع عندما كانوا في السلطة. وعلى الجانب الآخر من الجسر، في أمبوساري سود، توجد بدايات مزارع أشجار السيزال التي تغطي آلاف الهكتارات وتمتد على مد البصر. والسيزال نبات مقاوم للجفاف يستخدم في صناعة الحبال، من بين منتجات أخرى، وجاءت هذه المزارع نتيجة لقيام الفرنسيين بإزالة الغابة هنا بداية من ثلاثينيات القرن الماضي.
يشتهر هذا الجزء من مدغشقر بعاداته الجنائزية. لتكريم الموتى، يجب قتل حيوانات الزبيو وإقامة الاحتفالات الكبرى تكريماً للراحل. ويجري استثمار مبالغ ضخمة في المقابر. وتشهد أعداد جماجم حيوانات الزيبو التي تظهر في المقابر على الثروة والأهمية الاجتماعية للموتى. ويشكل تكريم الأسلاف جزءًا كبيراً من الثقافة المحلية. لكن التكلفة الباهظة لهذه الاحتفالات تجعل من الصعب على العائلات الادخار والاستثمار في تعليم أطفالها ومنازلها ومزارعها ومستقبلها.
لدى الاقتراب من أمبوفومبي؛ عاصمة منطقة أندوري، يشرع الوضع في أن يبدو قاتمًا. على بعد أميال قليلة جنوب الطريق الوطني 13، توجد قرية موروألوبوتي، التي لم تشهد سقوط أي مطر منذ أعوام عدة. وفي عيادة القرية، أحضرَت زيميل حفيدتها ماسي لطلب المساعدة. وتبدو الحفيدة وكأنها طفلة ممتلئة الجسم، لكن هذا المظهر مضلل: إنها تبلغ في الحقيقة أربعة أعوام من العمر تقريبًا وتعاني من سوء التغذية الحاد. ووفقًا لليونيسيف، وكالة الأطفال التابعة للأمم المتحدة، فإن 47 في المائة من جميع أطفال مدغشقر يعانون من التقزم الناجم عن سوء التغذية، وهو رقم يصبح أعلى في الجنوب. ويعيش عشرة أشخاص في منزل زيميل. وقد ذهب والدا ماسي إلى مكان آخر للبحث عن عمل. وبسبب الوضع البائس، باعت زيميل ثلاثة من حقولها الأربعة.
وهناك بئر في ماروألوبوتي، لكنّها يجب أن تزود مئات الأشخاص بالمياه، وبسبب الجفاف، ينخفض منسوب المياه الجوفية في المنطقة باستمرار. وعلى بعد كيلومترات عدة، بالقرب من الشاطئ، توجد بئر أخرى. وهنا كانت الأمم المتحدة تدفع مساعدات للقرويين ليقوموا بزراعة خطوط من أشجار السيزال لتثبيت الكثبان الرملية المتحركة. والشواطئ هنا بكر بدائية، وتغيب عنها أي مظاهر للتنمية على الإطلاق. ويقول سوجا لامارو، حاكم أندروي الدينامي البالغ من العمر 39 عامًا والذي تلقى تعليمه في الصين، إن منطقته هي الأكثر معاناة من “كيري”، (الجفاف والجوع)، وإن لديه 245 كيلومترًا من الساحل غير المطوَّر (على الرغم من أنه يعترف بأن السياح لن يستطيعوا الوصول إلى الساحل حتى لو أرادوا ذلك).
أقول له إنه يبدو لي من المدهش أن تتجاهل الحكومات في أنتاناناريفو البعيدة هذه المنطقة كل هذه الفترة الطويلة من الوقت. هل يمكن أن يكون الأمر أن السياسيين هناك لا يهتمون لشأن أندروي وينظرون باستخفاف إلى هذه المنطقة الفقيرة؟ “بالضبط”! يقول السيد لامارو. وربما يساوره قلق من أنه ترك شيئًا غير دبلوماسي يفلت منه وما كان ينبغي أن يفعل، لكنه يغير النغمة سريعاً ويقول إن الرئيس أندري راجولينا تعهد بتعبيد الطريق الوطني السريع 13. وخارج مكتبه يقف ثلاثة من عمال الحفر الذين وصلوا للتو. وليست هذه هي المرة الأولى التي يتعهد فيها رؤساء مدغشقر بإعادة بناء هذا الطريق وتمديده.
في الأثناء، يكافح الرجال والنساء والأطفال في المنطقة بينما يسيرون في العواصف الرملية التي تجتاح المنطقة سيرًا على الأقدام، أو على دراجات هوائية أو عربات تجرها الدواب. لماذا لا يغضب الناس؟ أخبرَني سائقي، الذي يعمل في شركة في فورت داوفين، أن لديه ثلاثة أطفال، وأنه يكسب 45 يورو (53 دولارًا) شهريًا وتكسب زوجته، التي تعمل معلمة، 50 يورو. وهذه النقود لا تكفي لتغطية نفقاتهم. وعندما سألته لماذا لا يتظاهر الناس، قال أن السلطات ستأمر قوات الأمن بإطلاق النار عليهم. قد يكون الناس فقراء وغاضبين، كما يقول، لكن “لديهم خوف ساكن في قلوبهم”. انسَ أمر حيوان الليمور السعيد الراقص في أفلام الصور المتحركة. هذه هي مدغشقر الحقيقية.

*نشر هذا المقال تحت عنوان:
Correspondent’s diary: Along the road of tears

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock