أفكار ومواقف

“على قَدْ مَصروفَك، مِدّ إيديك”..!

فهمتُ أن هذا المثل المبتَكر يلخّص فلسفة لبنانية رسمية لإدارة المصروف بتدبُّر. ولأنه مفتوحٌ على التأويل، كما تَرون، استخدمه لبناني خفيف الدم نصيحَة خصَّ بها المُغتَنين من السَّرقة. ولِمَ لا؟ فقد خصّت الحِكمةُ الشّعبية الفقراء ولم تخصّص شيئاً للأغنياء! وقد اعتُبرت حكمة الفقراء الكلامية ثمينة وعُلويّة أغلى من الذّهب، لِتعوضَهم عن الذهب الأرضيّ الفاني: “على قَدْ فراشَك (أو لحافك) مدّ رجليك.” ولذلك، يتمرّن الفقراء، عُمرَهم، على كمش أطرافهم السفلى وطيّها مثل لاعبات الأكروبات الصينيّات. والحصيلة: عددٌ هائل من البهلوانات الذين يستطيعون تقصير قاماتهم إلى 75 سنتمتراً، على قدّ الفراش القصير. أمّا إذا كان الفراشُ يطلُب أكثر من ذلك من قَرابة المُستحيل، فإن أرجلهم تبقى في العَراء البارد. وما في اليد حيلة!
لكنه يبدو أن الحكمة نفسها يمكن أن تكون ماكرة فتتواطأ، بحكمة، على الفقراء، مثل كلِّ شيء آخر؟! إنها لا تحرّضهم على السؤال عن سبب كلّ هذا القصر في فراشهم، بينَما ينام آخرون على أسرة بمساحة 3×3 متر مربع، أو مستديرة دَوّارة بقطر مُماثل في غرفة نوم بحجم شُقّة. وفوق ذلك، لا تتوخّى الحكمة مبدأ الإيجابية، فتحثُّ الفقير على محاولة تطويل فراشه، وإنما تُثبّته على ما هو عليه، وتنصحُه فقط بالتكيُّف والتسليم لحتميّة قدَرية. وفي كل القصّة، لا محلّ لليدين في معادلة الفُقراء، لأنهما قصيرتان أصلاً عما تراه العين البصيرة.
أمّا الذين لا مشكلة لديهم في الرجلين، ويجدون لها فراشاً وثيراً دافئاً يَسعُها مُمددة ويزيد، فلا حاجة بهم إلى تمرين أطرافهم السُفلى على الانكماش. ولذلك، يشتغلون على تمرين اليَدين. وحسب قانون الإهمال والاستعمال، تشتدّ قوة اليد وتنمو وتطول أكثر، حتى تطال أقصى ما تراه العين البصيرة العفيّة، وأبعد.
وهنا أستأذنكم بُمداخلة. فقد كتبتُ في هذا المكان تحت عنوان “قوة النصف” عن فتاة أميركية أقنعت عائلتها الغنية بتقاسم نصف ثروتها مع الفقراء. وعلى الهامش، تمنّيت لو أن أصحاب القصور العملاقة في عمان الغربية اختصروها شَيئاً، واستخدموا نصف قيمتها في إنشاء مصانع ومشاريع منتجة كانت ستفيد البلاد والعباد، فردّ قارئ غاضب بأن أهله عملوا في الغُربة وهلكوا ليبنوا بيتهم الكبير في غرب عمان، فلماذا الحسد؟!. ولذلك أؤكد هنا أنني لا أقصد الذين كدّوا وبنَوا بيتاً من 27 غرفة ليقطنه ثلاثة أو أربعة أفراد، ولا أحسدهم. وليس من الأخلاق في شيء أن يعترض أحد على مَن جمع ثروته المباركة بالحلال! ولا شكّ بأن مَن يكسب ماله من كدّه وعرقه يستحقّ الإعجاب (بعض الناس يعرقون أكثر من غيرهم عرَقاً نوعياً لا يقدّر بثمن). إنني أقصد، فَحسب، الذين يسمّنون ثروتهم، أو يجمعونها أصلاً، بالفساد.
والفساد مفهوم مطّاط، لكن تعريفه البسيط هو أن يكون الواحِد طويل اليد على ما ليس له. وقد تبلغ اليدُ طولاً، مشفوعاً بالخفة والبراعة، بحيث تستطيع استلال ما في جيوب كلّ القاطنين في مدينة كبيرة، ولا يكاد يلحظها أحد. أما سمة هؤلاء الفاسدين جميعاً، فهي أنّهم لا يشبَعون، وتتصاعد مصاريفهم وطول أيديهم بمتواليات هندسية. وهم يُحسنون أكثر ما يكون تجسيد قاعدة “المال يجرّ المال”، كما يصطاد المرء سمكة كبيرة بأخرى صغيرة من جنسها في طرف الصنّارة.
وهنا، تُبدع الحكمة الجديدة “على قد مَصروفك مِدّ إيديك”. فإذا كان مصروفك كبيراً (ولا بدّ أن يكون كذلك لتموين سياراتك كبيرة المحركات، وموائدك الكثيرة العامرة بالطيبات، وخَدمك، وماكياج نسائك)، فإنّك يجب أن تمُدّ يدك لتحافظ عليه وتُعيد شحنَه. والعلاقة طرديّة: يزداد مَصروفُك، فيلزم أن تمدد يديك وتمدهما على قدّه. واليد قويّة العضلات بفعل التمرينات، كما أسلَفتُ، تأخذ راحتها كلما ازدادت المساحات، واتَسعت المنافذ والفُرَج، وقصُرت أيدي الآخرين (أو تمّ تقصيرها أو قصّها جُملةً) فلا تُنافِس، وتستأنس الأيدي الطويلة “الطايلة، أي بالغة النفوذ” بمعاضدة صاحبات من جنسها.
بطبيعة الحال، لا يُتوقع أن تستطيع أيدي الفُقراء الضامرة بسبب انشغال أصحابها في تقصير أرجلهم، مُكاسرة الأيدي العفيّة طويلة التيلة، فتفلت الأمور ويصبح مال “العامة” سائباً. و”المالُ السائب يُعلِّم…”
صدَق المثَل، ما ترك شيئاً إلا قاله..!

ala.zeineh@alghad.jo

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. نستفيد من اليدين باستلام وتسليم
    تتعامل الحكومة مع الفقر انه حالة من احوال الحياة في الاردن ..فما دامت حكومة الأردن عاجزة أن تفعل شيئا لكل حالات الناس فنراها غير مكترثة للفقراء وأحوالهم المعيشة، وأنه اذا ضاق عليهم الفقر أكثر مما هو عليه فأنهم سيحصلون عليه بطرق أخرى ، ولكن ليس كما فعل الأفرنسيون لما حطموا سجن الباستيل ، واندفع الفقراء يحاربون الدولة ويثورون عليها ..الطريقة الوحيدة والسهلة والتي لا تحتاج الى رأس مال ، هو أما الشحادة التي نراها ونحن نسوق سياراتنا عندما يواجهك الضو الأحمر فيهجم عليك فيلق منالباعة والفقراء . أو النوع الثاني السرقة والنهب ..ونسبة الجرائم عندنا اصبحت حديث المواطنين ..اليد هي لنأخذ وندفع ..فالفقير يستعملها ليأخذ والغني بدلا من أن يستغلها بالعطاء فأنه يستعملها ليكدس بها اموال الحلال والحرام. رغم أن الحرام أكثر من الحلال

  2. عندما يغلب الطبع التطبع!
    ربما ذلك القارىء الغاضب لم يفهم الحكمة من مقالك ، فما الحكمة من تضييع تحويشة العمر كلها على بيت فاره ، يسكنه قليلا ثم يموت ؟ ثم تراه يمن على الفقراء ببعض المساعدة المالية(إذا ساعدهم) تكبرا وغرورا، وتراه يمتدح الغرب وأمريكا دائما ، لكن عند مسألة التبرع بالمال تراه يهاجمهم ، فهو لا يريد تقديم المساعدة المالية كما الأمريكان! قد يغلب الطبع(البخل) التطبع!

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock