أفكار ومواقف

على مشارف نكبة فلسطينية جديدة

عشية إحياء الذكرى الثانية والسبعين للنكبة الفلسطينية، التي تصادف غدا الجمعة، تستعد حكومة الاحتلال الجديدة التي يفترض أن تكون أعلنت رسميا أمس بحضور ومباركة أميركية عبر وزير الخارجية بومبيو، لتدشين نكبة فلسطينية جديدة بإعلان ضم غور الأردن والمستوطنات لكيان الاحتلال انسجاما مع صفقة قرن ترامب، الذي يبدو متشجعا لهذا الضم المخالف للقانون الدولي ربما أكثر من اندفاع نتنياهو وحليفه بحكومة الوحدة غانتس.
لا تبدو المعارضة الأممية والدولية الواسعة لقرار الضم بكافية لردع ترامب وإدارته المتصهينة عن الاندفاع لتأييد وتسريع الضم الذي ينسف كل أوهام السلام والتسوية ويضرب بالصميم روح الشرعية الدولية، فعين ترامب تتجه إلى شهر تشرين الثاني (نوفمبر) القادم حيث موعد الانتخابات والتي يسعى فيها محموما للحفاظ على قاعدته الانتخابية المخلصة المتمثلة بالمسيحيين الإنجيليين الذين يدعمون اليمين الصهيوني أكثر بكثير من الإسرائيليين، خاصة وأن ترامب اليوم يترنح شعبيا في إدارته الأسوأ لأزمة كورونا واتساع دائرة الخسائر والضحايا بين الأميركيين جراءها، حيث لم يبق له إلا قاعدته الإنجيلية المتطرفة ليراهن عليها للتجديد له لولاية ثانية.
لذلك تبدو أول زيارة لبومبيو منذ توقف زياراته للخارج منذ شهرين إلى القدس المحتلة مفهومة، حيث تحرص إدارة ترامب على دعم حكومة الوحدة الإسرائيلية وبرنامجها العدواني الذي يتصدره قرار الضم وذلك لحسابات انتخابية خاصة بترامب، ما دفع بمحللين إسرائيليين للقطع بأن ترامب سيصر على تسريع تنفيذ قرار الضم حتى لو ترددت النخبة السياسية لكيان الاحتلال قليلا.
الراهن أن المنطقة مقبلة على تغييرات وتطورات خطيرة سيخلفها القرار المرتقب ببدء عملية الضم لمنطقة الغور الفلسطيني والمستوطنات، والتي ستنسف كل تواصل جغرافي وديمغرافي بالضفة الغربية المحتلة وتبقيها مجرد كانتونات معزولة وطاردة تئِد أي أمل باجتماعها ضمن كيان سيادي موحّد يمكن تسميته بدولة، بل وتمتد أخطارها إلى تغيير معادلة العلاقة مع الأردن وتضرب كل مصالحه العليا، وعلى رأسها قيام دولة فلسطينية مستقلة في الأراضي العربية المحتلة، ما ينسف ما تبقى من أسس قامت عليها اتفاقية وادي عربة.
الأخطر أن قرار الضم وفرض سيادة الاحتلال على مناطق واسعة بالضفة الغربية سيستتبع اتخاذ إجراءات عقابية عدوانية جديدة وحادة بحق الشعب الفلسطيني والسلطة الوطنية، في ظل ما هو متوقع بل ومؤكد من إصرار فلسطيني على رفض تنازلات صفقة القرن وقرارات الضم، ما يتوقع معه انهيار ما تبقى من اتفاقية أوسلو، وربما البحث عن قيادة بديلة وعميلة ترضى بالفتات وتكريس الاحتلال، وهو أمر يكاد يكون مستحيلا فلن يجرؤ فلسطيني على الموافقة على نسف ما تبقى من حقوق وطنية للشعب الفلسطيني.
رغم صعوبة وقساوة القادم على الشعب الفلسطيني، خاصة في ظل تكرس الانقسام والضعف العربي والانحياز الأميركي الأعمى للاحتلال، فإن الطاقات النضالية الكامنة في الشعب الفلسطيني لا تنضب، وسبق له أن خرج أكثر قوة وإصرارا على النضال والتحرر بعد كل نكبة ونكسة وخسارة تعرض لها على مدى هذا الصراع الطويل.
سبق لكيان الاحتلال أن شعر بغطرسة القوة والنصر الموهوم في غير محطة ومرحلة من هذا الصراع الطويل مع الشعب الفلسطيني والأمة العربية، قبل أن يعود ليكتشف أن أحلامه بالاستسلام العربي والفلسطيني مجرد أوهام وأن شعلة النضال والمقاومة تنبثق من أعماق ما ظنه نهاية التاريخ والانتصار النهائي لمشروعه العابر.
ليس هذا كلاما عاطفيا. يكفي أن نشير إلى أن أياما قليلة تفصلنا عن الذكرى العشرين لتحرير الجنوب اللبناني العام 2000، عندما اضطر الاحتلال الإسرائيلي للانسحاب المذل ودون اتفاق وبعد أن ترك خلفه جيش لحد العميل لقدره، وذلك على وقع ضربات المقاومة التي ظل يمنّي النفس بالقضاء عليها منذ اجتياحه الأول لجنوب لبنان العام 1978، ليكتشف أخيرا أنه كما كل الاحتلالات التي سبقته لن يستطيع أن يعاند التاريخ ولا إرادة الشعوب ومقاومتها.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock