تمويل اسلامي

عملة البتكوين.. تساؤلات ومخاوف مشروعة

غسان الطالب*

في مقال سابق، تحدثنا عن ظاهرة عملة البتكوين (Bitcoin)، في إيجاز، عن مكونها الرئيسي وميزاتها ثم توجهنا لمصارفنا الإسلامية لمعرفة كيفية التعامل مع هذه الظاهرة الاقتصادية وهذه العملة المثيرة للجدل، بما ينسجم مع أحكام الشريعة الإسلامية وشروط النقد عند البيع أو الشراء، فمرجعيتنا في ذلك كتاب الله وسنة نبيه.

واليوم نعود للكتابة حول هذه الظاهرة لبيان أهم المخاطر التي قد تتسبب بها هذه العملة ونحن نرى العديد من الأنظمة الاقتصادية ما تزال تنظر اليها بعين الحذر والريبة، خاصة وأنها (مجهولة النسب)؛ أي عملة البتكوين إن جاز التعبير، لعدم وجود أي جهة رسمية مسؤولة عن إصدارها ولا تخضع لأي قوانين أو تشريعات نقدية لأي دولة كانت، من هنا كان الحذر في قبول أو رفض التعامل بها رسميا، أضف الى الارتفاع الهائل لسعر صرف الوحدة الواحدة منها؛ حيث قاربت الـ20 ألف دولار أميركي ثم هبطت الى حدود الـ8 آلاف دولار، وهنا يكمن السؤال كيف لعملة افتراضية من قيمة الواحد سنت في بداية ظهورها الى ما هي عليه الآن؟.

يقول الإمام المقريزي في كتابه “شذور العقود في ذكر النقود”، إن الرسول صلى الله عليه وسلم، أقر التعامل بالنقود المتداولة قبل ظهور الدعوة الإسلامية شريطة أن يتم التعامل بها “وزنا لا عدا” مع العلم أن النقود المتداولة في تلك الفترة كانت مسكوكة من الذهب والفضة، وأن استخدام أي معدن بخلاف الذهب والفضة مثل النحاس أو الحديد وما شابه ذلك سوف يؤدي الى فقدان النقود لقيمتها.

فإذن ما هي عملة البتكوين؟ فالبتكوين (Bitcoin) هي عملة افتراضية وهمية ليس لها وجود مادي سواء ورقيا أو معدنيا، تعتمد بشكل أساسي على مبدأ التشفير، ولا تصدر عن سلطة نقدية أو بنك مركزي معين، مما يعني عدم وجود أي جهة رقابية أو إشرافية عليها، كما أنها لا تمتلك رقما متسلسلا ولا أي وسيلة أخرى كانت من أي نوع تتيح تتبع ما أنفق للوصول إلى البائع أو المشتري، ظهرت في مطلع العام 2009 ويتم استخدامها فقط عبر شبكة الإنترنت لتسوية المشتريات أو تحويل العملات، وذلك عن طريق انتقال “الكود” مباشرة من محفظة المشتري لمحفظة البائع، وهي تشبه الحساب البنكي، فهو شخصي وسري وآمن، وكما الحساب البنكي يختلف حسب البنوك ولكن الهدف واحد وهو حفظ الرصيد الشخصي من عملة البتكوين، ثم يعطيك رمز بتكوين الخاص بالمحفظة، وهو عبارة عن مجموعة مشفرة مكونة من حروف وأرقام، وذلك لتستقبل عليها عملة البتكوين عند شراء هذه العملة، فبمجرد حصول البائع على “الكود” يعد وثيقة ملكية تتمتع بالسرية التامة ولا يوجد لأي جهة كانت السلطة عليها، فهي تذهب من حساب مستخدم إلى آخر بشكل فوري وبدون وجود أي رسوم تحويل وبدون المرور عبر أي مصرف أو أي جهات وسيطة من أي نوع كان، هناك مخاوف عدة تبديها العديد من السلطات الرقابية يمكن لنا إيجازها فيما يلي:

– التخوف من أن تصبح هذه العملة وسيلة لغسل الأموال في ظل سهولة تحويلها الى أي مكان في العالم بدون أي رقابة أو جهة تشرف على عملية التحويل هذه.

– تسهيل هجرة رؤوس الأموال من موطنها الى أماكن أخرى، وبالتالي حرمان الاقتصاد الوطني من مساهمة هذه الأموال في خطط التنمية الاقتصادية والاستثمار في بلدانها.

– الخوف من أن تكون هذه العملة وسيلة لنهب ثروات الدول النامية لصالح قوى وعصابات دولية.

– التلاعب في سعر الصرف للعملات الوطنية والعالمية، وذلك لعدم وجود سعر صرف ثابت ومستقر لهذه العملة، مما يهدد بتعرض العالم لأزمة اقتصادية ومالية أشد قسوة من أزمة الـ2008.

بعد كل هذا، فإننا نتوجه الى علماء الأمة من فقهاء ومشرعين في الصناعة المصرفية الإسلامية للوقوف عند هذه الظاهرة لبيان الغموض فيها وما هو مستقبلها، ثم إجراء البحوث والدراسات التي تنير لنا الطريق دائما نحو التطور والإبداع.

 

*باحث ومتخصص في التمويل الإسلامي 

مقالات ذات صلة

السوق مغلق المؤشر 1803.05 0.16%

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock