أفكار ومواقفالسلايدر الرئيسي

عملنا الصعب وتركنا السهل

سلامة الدرعاوي

فعلاً الأمر محيرّ بالنسبة لأي مراقب لتطوّرات ومستجدات الشأن الاقتصاديّ المحليّ، فالتراكمات السلبية والتحديات التي تحيط بالاقتصاد خاصةً الداخليّة منها تجعل الكل يتساءل لماذا لغاية الآن لم نحقق التقدم المطلوب في النموّ والتنمية الاقتصاديّة المنشودة والتي يتطلع لها الجميع؟
الكل متفق على أن الأردن حقق المستحيل والصعب فيما يتعلق بالشق الأمني ضمن منطقة ملتهبة تخوضها الصراعات والنزاعات المسلحة التي تركت تداعيات سلبية وخيمة على الاقتصاد الوطنيّ وأثرت على النموّ والنشاط والإنتاجية في الدولة وقدرتها على استقطاب الاستثمارات والتدفقات السياحية.
نعم، الأردن حقق الصعب أمنيا وسياسياً، واستطاع باقتدار أن ينجو من مؤامرات سياسية كانت تستهدفه لو نجحت لا سمح الله لكان الأردن في خبر كان، لكن بفضل الحنكة السياسيّة للقيادة وقدرتها في التعاطي السياسي الإيجابي مع المجتمع الدولي بمختلف أطيافه، استطاع الاستقلالية بقراره وسط إقليم ملتهب واستقطاب دولي حاد، وأن ينجو من كل التحالفات السياسيّة التي كادت أن تشكل خطرا حقيقيا عليه وعلى وجوده، وأن يحتفظ بمكانة مرموقة في منطقة الشرق الأوسط.
الغريب في الأمر والمثير للحيرة أن الأردن الذي تجاوز الصعب سياسيا ترك السهل- وأقصد بذلك الشأن الاقتصاديّ- دون معالجات جريئة يكون لها أثر إيجابي على الأمن المعيشي للمواطنين خاصة والتنمية الاقتصاديّة بشكل عام.
الترهل في معالجة التراجع الاقتصاديّ تتحمل مسؤوليته الحكومات التي فقدت بوصلة التنميّة وضاعت فرص كثيرة كان بمقدورها لو استغلتها أن يكون الشأن الاقتصاديّ الوطنيّ في أفضل حال ضمن الإمكانات المتاحة.
نعم، الحكومات هي من تتحمّل ما آلت إليه المستجدات الاقتصاديّة، وكأنها تريد اختراع “العجلة” من جديد، فتارة خطة خمسية، وأخرى رؤية 2025، وتارة خطة تحفيز، ومرّة أولويات تنفيذية، والآن أولويات عمل، وهكذا من برنامج إلى آخر دون تنفيذ أو الوصول إلى الأهداف المنشودة.
لا يعقل أن تكون دولة مثل الأردن بهذه المكانة الرائدة في المنطقة ولدى الدول الكبرى ولا تقوى حكوماتها على معرفة كيفية تبسيط الإجراءات والتعاملات في بيئة الأعمال المحلية، وكيفية إزالة العقبات أمام القطاع الخاص.
ولا يعقل أن يبقى القطاع الخاص يقدم عريضة تلوى الأخرى لمشاكله للحكومات وأن تبقى الأخيرة مستمعة وتؤيد نظريا مطالبه دون أن تقدم على خطوات فعلية عملية لتحقيقها حتى لو كانت ضمن فترات زمنية محددة وواضحة، فكل ما يحدث هو أن تقوم الحكومات بالاستماع لقضايا القطاع الخاص وتتعهد بإزالتها وحلها، ثم تختفي التعاملات عقب الاجتماعات الرسميّة العلنية، وتذهب المطالبات أدراج الرياح.
غريب فعلاً أمر الحكومات، طالما أن الملف الخارجيّ يقوده الملك، ما يعني أنه أراح الحكومة من أصعب الملفات التي كانت تناط بها وتستحوذ على قدراتها ووقتها، فما هي الإشكالية أمامها للتفرغ لإدارة الشأن الداخلي والتركيز على حل مشاكل القطاع الخاص التي تتكرر من حكومة لأخرى؟ ما الذي يمنع من أن تكون صاحبة اليد الأولى في إحداث التغيير الاقتصاديّ الإيجابي في المشهد العام وأن نسابق دول الجوار التي خطت خطوات جبارة وكبيرة على صعيد التنمية وجذب الاستثمارات وزيادة الصادرات.
لا يعقل أن تبقى الحكومات بلا هوية أو عنوان اقتصادي وأن تدخل وتخرج من المشهد دون أي إنجاز يذكر، أو يسجل لها سوى بالأخبار السيئة أو الأعمال التي تركت تداعيات وخيمة على الأجيال.
الحكومة مطالبة بإحداث اختراق إيجابي في الشأن الاقتصاديّ الداخليّ والجلوس مع القطاع الخاص للتفاهم على هدف اقتصادي محدد بعينه، تكون الدولة بكافة أطيافها وقطاعاتها تعمل من أجل تحقيقه والوصول إليه، وغير ذلك ستبقى الحكومات تدور حول نفسها دون هوية أو إنجاز حقيقي يذكر على أرض الواقع.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock