أفكار ومواقف

عمل بلا ياقات

يتكرر القول، ولا بأس بذلك، إن معظم إن لم يكن جميع السياسات والاتجاهات المتبعة في مواجهة كوفيد 19 مثل العمل والتعليم عن بعد وإعادة النظر في أسلوب الحياة والعادات والتقاليد وخاصة التجمعات الكبيرة في المناسبات، وعادات التقارب الاجتماعي والتلامس الجسدي؛ لم تنشأ فجأة أو من فراغ أو عدم، لكنها كانت اتجاهات واقتراحات قوية ومتبعة على نحو اختياري لفئات واسعة من الأعمال والأشخاص والطبقات، كما كانت أيضا مطالب لفئات واسعة من الناشطين والمتابعين (كنت وما زلت أحد هؤلاء) للشأن العام باعتبارها تشكل بدائل أفضل وأكثر فاعلية وأقل كلفة، ولأن معظم إن لم يكن جميع المؤسسات وأساليب الحياة والعمل تنتمي إلى فترة زمنية انحسرت أو تمضي إلى الانحسار والأفول، فهي مؤسسات وثقافات واتجاهات ليست مقدسة ولا أزلية أيضا، لكنها نشأت في ظروف وتحولات اقتصادية واجتماعية ومؤسسية.
كان التقسيم السائد للعمل في عصر الصناعة هو «ياقات زرقاء» أي العمل في الميادين والورش والمصانع والمزارع، و»ياقات بيضاء» وهو العمل في المكاتب والمؤسسات، وقد حلّ نظام العمل هذا في بلادنا كأسلوب عمل ومؤسسات (من غير صناعة ولا إنتاج) مصاحبا للدولة الحديثة التي تشكلت بعد الحرب العالمية الأولى، كان تحولا بطيئا، ثم تسارع بعد الحرب العالمية الثانية، لكنه تحول إلى نظام سائد ومهيمن منذ سبعينيات القرن العشرين، وأما في أوروبا فقد بدأ على نحو بطيء منذ «عصر النهضة» الذي بدأ في القرن الثالث عشر مصاحبا لتطور صناعة السفن التي حسنت النقل والتجارة البحرية، ثم البارود، ثم المطبعة في القرن الخامس عشر، لكن التحول الكبير بدأ مصاحبا للآلة البخارية في القرن الثامن عشر، وما تبع ذلك من ثورة علمية وصناعية في القرن التاسع عشر، هذا الاستطراد يبدو ضروريا لملاحظة عمليات الاستيعاب التي جرت في أوروبا لتحولات الموارد والأعمال والتي برغم بطئها وتدرجها أنشأت ثورات وتحولات سياسية واقتصادية واجتماعية كبرى وجذرية، وكان يجب علينا أن نستوعب ذلك مرة واحدة وفي فترة زمنية قليلة، والحال أنه كان صدمة ولم يكن استيعابا، ولكن الصدمة الأكثر عمقا، أن الثورة الصناعية نفسها انحسرت قبل أن نستوعبها أو نقتبسها.
نحن اليوم ندخل في مرحلة جديدة مختلفة يفترض أنها نشأت أو تولدت من مرحلة سابقة، وربما لا يكون ذلك ضررا كلّه، فقد يساعدنا على الدخول في «الموجة الثالثة» أو «العمل بلا ياقات» أي بلا مؤسسات دون آلام كبرى.
إن العمل أساسا مرتبط بتوفير احتياجات الإنسان الأساسية وتحسين حياته، ويمكن في ظل نظام شامل للضمان الاجتماعي والتأمين الصحي تتولاه الدولة، ورعاية اجتماعية شاملة أيضا، أن تنشأ اتجاهات واسعة؛ ريادية ومبدعة للعمل وصناعة الحياة وإنشاء حياة جديدة أفضل بكثير من سابقتها من غير المؤسسات التي لم تعد لها حاجة، أو بمؤسسات جديدة مختلفة تستوعب الاحتياجات والأفكار الناشئة.
ليس مطلوبا من الدولة أن تنشئ مؤسسات لريادة الأعمال فذلك يحول الريادة إلى احتكار ووصاية، ولكن يمكن إقامة بيئة شاملة من الحريات والأعمال والفرص تحميها منظومة شاملة أيضا للضمان الاجتماعي والتأمين الصحي والتعليم والرعاية الاجتماعية، ثم ينشئ الناس بأنفسهم مستقلين وأحرارا أعمالهم ومواردهم، المهم ألا تكون السلطة عقبة أمام التقدم والنمو والتنافس والتعاون (مثل السياسات الضريبية والاحتكار والامتيازات ومنع التكنولوجيا الجديدة والفساد) وأن تدع الناس كما هو شأنهم دائما يتنافسون ويتعاونون ويفكرون، وهم آمنون وواثقون أنهم سوف يجدون علاجا عندما يمرضون وتقاعدا عندما يكبرون وأن أبناءهم يجدون تعليما متقدما وكافيا وليسوا مجبرين على تلقي قدر واسع من المعلومات والتعبئة والثقافات والاتجاهات التي لم تعد تفيد أحدا، أو هي ليست مطلوبة ابتداء من الدولة، ..الحكومة تفعل ما ليس مطلوبا منها وتنفق على ذلك الموارد العامة الشحيحة، ولا تفعل ما هو مطلوب منها.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock