أفكار ومواقفرأي اقتصادي

عمى الألوان ما بين التقاعد المدني والضمان!

جواد جلال عباسي

عمان- تشرفت نهاية الشهر الماضي، بدعوة من اللجنة القانونية ولجنة العمل في مجلس النواب للحديث عن تعديلات قانون الضمان الاجتماعي المقترحة مع مجموعة من المهتمين بحضور النواب وإدارة الضمان الاجتماعي.
من ضمن ما تحدثت به في الاجتماع أن التعديلات المقترحة على قانون الضمان الاجتماعي في 2019، إذا تم إقرارها ستكون الرابعة على قانون الضمان خلال أقل من تسع سنوات. وحتما ستأتي إدارة الضمان بعدها لتقول إن الضمان الآن قد وصل الى “بر الأمان”. وهي بالمناسبة الكلمات نفسها التي استخدمها رئيس الوزراء عمر الرزاز عندما أقرت تعديلات قانون الضمان الاجتماعي قبل حوالي تسع سنوات عندما كان مديرا للضمان.
انتهزت فرصتي في الحديث أمام اللجنة النيابية بالتأكيد أنه لا يكفي الحديث عن دراسة اكتوارية تقول بتلاشي موجودات الضمان مع 2052 بدون الإفصاح عن افتراضات هذه الدراسة الاكتوارية كافة من معدل الحياة الى العائد المفترض على استثمارات الضمان الى أعداد المشتركين.
كذلك أكدت أن الضمان الاجتماعي لا يفلس أبدا. لأنه يقتطع من كل موظف في الاقتصاد الرسمي شهريا ليدفع رواتب للمتقاعدين. ما يحصل هو عجز لا إفلاس كاملا. وأعترف أنني كنت مخدوعا بنفس سردية مؤسسة الضمان هذه، وكنت أساوي بين تلاشي الموجودات وإفلاس الضمان. مع أن الدراسة الاكتوارية يجب أن تفصح عن العجز المتوقع بعد نقطة تلاشي الموجودات وحجمه وعدد سنواته المتوقع. فهناك فرق بين عجز لسنوات عدة بعشرات الملايين وبين عجز ملياري. فأين التفاصيل؟
بدون إفصاح كامل عن الدراسة الاكتوارية وفرضياتها وتوقعاتها كافة، يجب أن ترد التعديلات المقترحة للضمان التي تخص تقليل رواتب العسكريين بنسبة 1 % وزيادة الدين الحكومي سنويا بنسبة نصف بالمائة من رواتب العسكريين. وتلك التي تخص عدم تغطية موظفين تحت مظلة الضمان الاجتماعي. فهذه المقترحات تضر نمو الاقتصاد الوطني النظامي.
في الاجتماع، لفت النظر الى أن مؤسسة الضمان والحكومة في الأردن تستفزان مجلس الأمة كل بضع سنوات لإجراء تعديلات على قانون الضمان الاجتماعي الذي تجاوز حجم موجودات صندوقه عشرة مليارات ونصف مليار دينار، وبعض الخبراء يقدر الموجودات بأكثر من 12 مليار إذا تم تقييم الأراضي بسعرها السوقي، والذي يحقق حاليا وفرا تأمينيا يتجاوز النصف مليار دينار سنويا بدون أن تقدم كامل تفاصيل الدراسات الاكتوراية وكامل افتراضاتها. وفي الوقت ذاته لا تحرك الحكومة ساكنا لمعالجة موضوع التقاعد المدني والعسكري الذي يحقق عجزا سنويا صافيا يتجاوز المليار دينار سنويا منذ حوالي العشر سنوات تمول كلها بالديون الإضافية.
يا لها من مفارقات عجيبة!
– قلق وطني مستمر على صندوق الضمان القوي المتين، لكن صمت القبور فيما يخص التقاعدين المدني والعسكري اللذين كبداننا أكثر من عشرة مليارات دينار ديونا في آخر عشر سنوات تشكل ثلث مديونيتنا وتقريبا كامل عجز الميزانية السنوي.
– نشاط محمود من قبل مؤسسة الضمان الاجتماعي في تطبيق القانون ومحاربة التهرب من الشمول بالضمان وملاحقة من يخالف شروط التقاعد المكبر، وفي الوقت ذاته نجد شللا حكوميا كاملا في التحقق من أي مخالفات في التقاعدين المدني والعسكري مثل معلوليات جسيمة غير صحيحة.
– معلومات تحليلية جميلة من مؤسسة الضمان الاجتماعي منها مثلا أن أعلى 5 % من المتقاعدين يحصلون على ربع حجم التقاعدات. لكنها منقوصة لأنها لا تذكر حصة أعلى 5 % من المشتركين من اقتطاعات الضمان وكذلك ما يدفعونه للحكومة كضريبة دخل وحصتهم من ضرائب الدخل المدفوعة. وفي الوقت ذاته تعتيم كامل على هيكلية مصاريف التقاعدين المدني والعسكري. تفصيلا:
* لا نعرف حصة أعلى 1 % من متقاعدي التقاعدين المدني والعسكري من إجمالي الرواتب التقاعدية. ولا نعرف حصة أعلى 5 % ولا حصة أعلى 10 %. ولا إفصاح عن عدد سنوات أو أشهر اشتراكاتهم قبل استحقاق التقاعد المدني.
* ولا نرى إفصاحا عن كلفة التأمين الصحي للنخبة من متقاعدي التقاعد المدني في القطاع الخاص داخل وخارج الأردن سنويا وتراكميا، والتي تأتي من ميزانيات أخرى ولا تحسب ضمن نفقات التقاعد المدني. مع التشديد على أنه لا اعتراض على تأمين كامل لهم في المستشفيات الحكومية الأردنية. فاستخدام النخبة للمرافق الحكومية قد يسهم في تحسين نوعيتها.
* ولا نسمع بإفصاح عن نفقات نثرية لتلك النخبة من بعثات تعليمية خارج الأردن بدون تنافس واستحقاق لهم ولفروعهم أيضا تأتي من ميزانيات أخرى ولا تحسب ضمن نفقات التقاعد المدني القاصمة للميزانية. وكلها نفقات يمكن ضبطها بدون التأثير سلبا على الاقتصاد.
لماذا لا تتعلم الحكومة من الضمان الاجتماعي وتقوم بتحليل كامل وواف لموضوع التقاعدين المدني والعسكري والمنافع المرتبطة به لأعلى 1 % و5 % و10 % من مشتركيه تباعا. ولتعالج كل هدر بسبب مخالفة القوانين ومن أساسها رواتب المعلولية والتأمين الصحي خارج المنظومة الحكومية. ولتكون لديها الشفافية الكاملة في هذا الموضوع يلحقه نقاش وطني موضوعي. ولتطمئن عموم المتقاعدين أن لا مساس فيمن كل منافعه لا تتجاوز 900 دينار شهريا مثلا. فالمقترح هنا فقط معالجة كلفة النخبة على الميزانية ووقف أي هدر سببه مخالفة قوانين أو منافع غير منطقية.
ذلك أن أي توفير في فاتورة التقاعد (ولو بنسبة 10 % فقط) سيكون له أثر كبير على الاقتصاد. فهذه أموال (أكثر من 100 مليون) ستخفض من الزيادة السنوية في الدين العام لتمويل بند التقاعد وبالتالي تخفض من عبء خدمة الدين سنويا. كذلك ولأنها ستقتطع غالبا من ميسورين فإنها لن تقلل من مستوى الإنفاق في الاقتصاد، وبالتالي لن يكون لها أي تأثير سلبي على الاقتصاد.
مع الإرادة.. توجد الحلول. والمقترحات هنا ليست غير مألوفة. فقد تم تطبيق أمور مشابهة لها في دول أوروبية عدة مثل البرتغال وإسبانيا واليونان.
لا نستفيد أبدا من “تخويف” المنتجين والفاعلين اقتصاديا في الأردن دوريا على ضمانهم ومستقبله ونتعامى عن المشاكل الحقيقية التي تكبل النمو الاقتصادي وتزيد من عبء الدين العام. فمع عبء ضريبي يقارب 28 % من حجم الاقتصاد بدون خدمات مقبولة للطبقة المتوسطة، فإن استمرار العبء أو زيادته ستقتل الأمل، وسنجد أن كثيرا من الأردنيين سيفكر جديا في هجرات اقتصادية وندخل في حلقة مفرغة تتآكل فيها القاعدة الضريبية للدولة.
نحتاج بداية أن نعيد الثقة. والتمحيص في نفقات النخبة البيروقراطية وكلفتها بهدف تقليلها بعدالة وشفافية، سيكون له أثر كبير في تقوية الثقة الشعبية في مستقبل الأردن الاقتصادي. فأول خطوة للاستثمار والنمو هي الثقة والتفاؤل. برأيي فإن الشعب سيرحب بهذا التمحيص والتقليل: فهذه النخبة هي نفسها التي أوصلتنا الى حال نحتاج فيه إلى صندوق النقد لتأمين الدائنين طوال 30 من آخر 40 عاما!

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock