أفكار ومواقف

عناصر تحصين الجبهة الداخلية

أصبح الحديث عن ضرورة تحصين الجبهة الداخلية أشبه بالأسطوانة المشروخة، يتم استخدامه من قبل الكثير من القوى والأشخاص الراغبين في الإصلاح وغير الراضين عن غياب سياسات واضحة في هذا الاتجاه، كما يتم تجاهله من السلطة التنفيذية باعتباره في رأيها مجرد رغبات نخبوية لا تعبر عن المزاج العام.
أما في ضوء ما يتعرض له الأردن من تحولات في مواقف حلفائه الخارجيين التقليديين، ومن تداعيات ما يدعى بصفقة القرن على الساحة الداخلية الأردنية، لم تعد الدعوة لتحصين الجبهة الداخلية ترفا نخبويا ان كانت يوما كذلك، بل ضرورة وطنية لإسناد الموقف الأردني الرافض لهذه الصفقة ونتائجها الكارثية على البلاد. وإذا أخذنا بعين الاعتبار امكانات الأردن المحدودة سياسيا واقتصاديا، فأقل الإيمان ان تكون الجبهة الداخلية متماسكة وموحدة، ليس فقط لمواجهة مثل هذه المشاريع، بل أيضا لوضع البلاد على سكة الاستقرار والازدهار المستقبليين.
يتطلب تحصين الجبهة الداخلية العديد من الإجراءات. هناك حاجة لوجود مطبخ سياسي وطني يمثل اتجاهات متعددة من اصحاب الخبرة السياسية، يساهم في دراسة كل التبعات بموضوعية وحكمة، ولا يتوانى عن تقديم النصيحة المجردة من الاعتبارات الوظيفية أو المصالح الشخصية. ان التغيرات الخارجية والداخلية التي يمر بها الأردن تستدعي وجود مثل هذا الجسم الاستشاري الذي قد يتضمن عناصر من الحكومة ولكنه لا يتوقف عندها، والذي يستطيع تجميع الخبرات السياسية الغنية لدينا ويوظفها للتقييم المستمر للسياسات الأردنية وكيفية تعاملها مع المستجدات.
من إحدى مهام هذا المطبخ اعادة تقييم العلاقة الأردنية الاسرائيلية، بكل موضوعية وبعيدا عن العواطف، ضمن إطار المصلحة الأردنية العليا وما تقتضيه وفقا للمستجدات. ان العلاقة مع إسرائيل قررت سابقا وفقا للاعتقاد انها ستساهم في إنهاء الاحتلال الاسرائيلي وإقامة الدولة الفلسطينية على التراب الفلسطيني، ووفقا لقرار عربي ذهب بموجبه الأردن إلى مدريد إلى جانب الفلسطينيين وسورية ولبنان. أما وقد اصبح واضحا ان ليس هناك نية اسرائيلية لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية، فلا يجوز ان تبقى المقاربة الاردنية معتمدة على معطيات سابقة استنفدت، خاصة ونحن نشهد سياسة اسرائيلية تصب مباشرة ضد المصلحة الأردنية العليا إذا ما تم وأد حل الدولتين وبالتالي حل النزاع على حساب الأردن. من الضروري بمكان ان يخضع التقارب مع إسرائيل، بما في ذلك اتفاقية الغاز، لإعادة تقييم جذرية.
من الضروري أيضا اعادة تقييم الاعتقاد ان الأردن لا يستطيع رفض أي طلب أميركي بسبب علاقته مع الولايات المتحدة. يثبت التاريخ انه في المرات التي شعر فيها الأردن بتهديد وجودي، لم يتوان عن رفض الطلبات الاميركية، وما حرب الخليج الأولى الا واحدة من الشواهد العديدة على ذلك.
وفوق كل ذلك، لا بد من تقييم جاد لأثر التشدد في فتح الفضاء السياسي وفيما إذا حقق أو سيحقق الاستقرار المنشود. غني عن القول ان تحصين الجبهة الداخلية لن يتحقق دون البدء بإصلاح سياسي حقيقي يشعر المواطن انه شريك حقيقي في صنع القرار، ولن تستطيع مثل هذه الجبهة دعم الموقف الرسمي من صفقة القرن بفاعلية الا من خلال تقوية المؤسسة التشريعية والإسراع في الوصول لحكومات تستمد شرعيتها من الإرادة الشعبية. للأسف، فإن كل تصريحات السلطة التنفيذية لا تشير إلى إيلاء هذا الموضوع أي اهتمام حقيقي، وكأننا لسنا في أزمة على الإطلاق.
لا يجوز ان يبقى تحصين الجبهة الداخلية شعارا نرفعه للاستهلاك الداخلي. فالوضع الداخلي لم يعد يحتمل الشعارات، بل هو في حاجة ماسة لعمل جاد ومستدام. هكذا فقط نحمي هذا البلد.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock