صحافة عبرية

عندما تتراجع إسرائيل عن قيمها الليبرالية

هآرتس

الون بنكاس

إذا تم التنازل مسبقا عن عناوين تاريخية، طموحات وسيناريوهات رعب فيما يتعلق بالعلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة، ونظرنا إلى مسارها وديناميكيتها في السنوات الأخيرة، فسنتوصل إلى الاستنتاج بأنهما يقتربان من نقطة الانعطاف. هذا لا يحدث حول إيران أو حول سياسة إسرائيل تجاه الفلسطينيين، بل بالذات حول الصمغ الذي يثبت العلاقات منذ سقوط الاتحاد السوفييتي، نفس نظرية “القيم المشتركة”.
تاريخ العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل والتحالف الذي عمره 50 سنة تقريبا بينهما، هما بدرجة كبيرة قصة هندسة مقلوبة. أولا، تم وضع اطار العلاقات الاستراتيجية وصب فيه مضمون، في الفترة بين نهاية الستينيات وحتى السنوات التي اعقبت حرب يوم الغفران، في سياق الحرب الباردة، وصد الاتحاد السوفييتي وعلاقات السيد – الزبون الأمنية. بعد ذلك فقط كتبت وبأثر رجعي رواية كاملة عن بنية اساسية قيمية وايديولوجية.
الرئيس هاري ترومان والرئيس دوايت آيزنهاور، اللذان توليا الرئاسة منذ بداية الدولة وحتى العام 1961، رفضا الالتقاء مع أي رئيس حكومة اسرائيلية. اللقاء الاول الذي تم عقده بين جون كنيدي ودافيد بن غوريون في أيار 1961 كان في فندق في نيويورك وليس في البيت الابيض في واشنطن. فقط في فترة ولاية لندن جونسون (1963 – 1969) بدأت العلاقات تستقر وبدأ الصعود الى المسار الذي سيقود الى تأسيس تحالف.
بعد حرب الأيام الستة، وبشكل خاص عند ترسيخ المساعدات العسكرية لاسرائيل التي اسسها ريتشارد نيكسون بعد حرب يوم الغفران، كتبت مقدمة لفصل جديد. الولايات المتحدة واسرائيل هي بشكل عام ديمقراطيات – اخوات. دولتان قامتا بتحد للتاريخ وخلافا لمجراه. مجتمعان طمحا في أن يكونا نموذج لمجتمع جديد: الولايات المتحدة هي “المدينة البراقة التي توجد فوق التلة” واسرائيل هي “النور للاغيار”. مجتمعان من المهاجرين قاما بتأسيس دولتان لاصلاح اخطاء تاريخية واستندا الى قيم الكتاب المقدس المشتركة. في موازاة الخلافات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي في الشرق الأوسط بدأ يهود أميركا في السبعينيات في التقرب من إسرائيل، وأن يصبحوا مشاركين في السياسة الأميركية. اندماج العمليات على الجدول الزمني أدى الى اقامة التحالف بين امريكا واسرائيل. ومن اجل تعميق وتعزيز هذا التحالف تطورت بالتدريج نظرية “القيم المشتركة. بالتأكيد مصالح جيوسياسية مشتركة وتعاون استخباري وتكنولوجي والتزام أميركا بأمن إسرائيل “لا يمكن ضعضعته” ومنع أي تهديد وجودي لها. ولكن كل ذلك ليس فقط تحالف ارتجالي، بل هو بناء فاخر يرتكز على أسس قيمية قوية.
مسائل مثل المناطق والدين والدولة كانت الثغرة الاولى في هذه العلاقات، لكن الولايات المتحدة واسرائيل تمكنتا من التغطية عليها بالوحل حتى عندما توسعت. الوضع تغير عندما رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، بسلسلة من الخطوات المتعمدة، انحرف عن مبدأ “اسرائيل هي موضوع للدعم من قبل الحزبين”، واسرائيل لن تكون في أي يوم موضوع مقسم سياسي. هذا بدأ بمغازلة الافنغليين في سنوات ولاية كلينتون واستمر في الابتعاد الفظ عن الحزب الديمقراطي، الذي 75 في المائة من يهود الولايات المتحدة يصوتون له. وسجل رقم قياسي آخر في خطابه الذي القاه في الكونغرس في 2015 ضد الاتفاق النووي مع ايران، وهو الخطاب الذي تم التخطيط له من وراء ظهر الرئيس باراك اوباما ونائبه جو بايدن، ووصل حتى الى الإعلان عن حبه لدونالد ترامب. ورغم التهذيب الكبير الذي تظهره الادارة الأميركية منذ قيامها، إلا أن تشكيلة الحكومة الجديدة ونواياها تقلق جدا الولايات المتحدة.
في نظر واشنطن اسرائيل توجد في عملية تراجع عن الديمقراطية الليبرالية نحو الاستبداد الذي فيه يتم خرق غير صحيح للتوازن بين السلطات. في حين أن الولايات المتحدة حتى لو كان بشكل مؤقت، تحاول إصلاح المسار بعد سنوات ترامب والترامبية. إسرائيل اختارت اتجاه معاكس. هذا ليس موضوع “فقرة الاستقواء” أو اجراءات تعيين القضاة أو اعادة التوازن بين السلطات. في هذه الامور الولايات المتحدة لم تتدخل ولن تتدخل. الحديث يدور عن عملية كاملة تتابعها واشنطن بدهشة، وتشمل تشكيل ائتلاف حكومة نتنياهو والخطوط الاساسية لحكومته، وتصريحات حول سياسة الاستيطان والتفوق اليهودي، وتقليص كبير في الانتقاد الدستوري للمحكمة العليا. وقد اعلن عنوان في صحيفة “التايم” قبل اسبوعين بأن “الديمقراطية في اسرائيل لن تبقى بعد حكومة نتنياهو”.
في مقال لهيئة التحرير، غريب بدرجة الاهمال، تساءلت في يوم الجمعة صحيفة “وول ستريت جورنال”: من الذي يهدد الديمقراطية في إسرائيل؟، وأجابت هي نفسها وقالت بأن احكام المحكمة العليا في اسرائيل بحد ذاتها تبرر “الاصلاحات”، ضمن امور اخرى، لأنها “تقوم برفض قوانين غير معقولة”. وهذا في الاصل غير صحيح من ناحية الوقائع، وفي الاصل الصحيفة لم تكلف نفسها عناء الفحص أو التشاور مع خبراء في الدستور الاسرائيلي قبل نشر هذه الهراءات. المهم هو أنه لأحد ما، ولا يهم من أي جانب من المحيط، كان من المهم جدا أن يحاول تبرير خطة تغيير النظام التي طرحها نتنياهو وياريف لفين في اوساط الاميركيين، الى درجة توجيه واقناع هيئة تحرير صحيفة “وول ستريت جورنال” بنشر مثل هذا المقال.
المقال جاء في اعقاب مقال نقد لاذع لكاتب الاعمدة توماس فريدمان في “نيويورك تايمز” قبل ثلاثة ايام من ذلك. “الرئيس الاميركي بايدن”، كتب فريدمان، هو الوحيد الذي يمكنه وقف نتنياهو وائتلافه المتطرف عن تحويل اسرائيل الى حصن غير ليبرالي ومتعصب، الذي فيه الكثير من الوزراء يظهرون العداء لقيم الولايات المتحدة”.
اسرائيل ليست موضوع تريد ادارة بايدن الانشغال فيه. بالنسبة لها عدم السماع عن اسرائيل حتى الانتخابات الاميركية القادمة في تشرين الثاني 2024. هذا وضع مثالي. ولكن حكومة نتنياهو تفرض نفسها على جدول الاعمال، سواء في الساحة الدبلوماسية، القانونية الدولية، أو بسيناريوهات تصعيد في المناطق أو حتى مع ايران.
السؤال المطروح الآن هو هل الولايات المتحدة ستواصل التجاهل أم أنها ستضع إشارات ضوئية واضحة لنتنياهو.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock