أفكار ومواقف

عندما تصر الحكومة على “سلق” القرارات!

تصر الحكومة على تجاهل مناقشة كل التحذيرات والتنبيهات والآراء التي تقدم لها حول قضية رفض تجديد جوازات سفر الأردنيين في الخارج ممن تسجل بحقهم أحكام قضائية أو مطلوبين للمثول أمام القضاء، قافزة عن ضرورة توقفها لقراءة وتقدير حجم المشكلة وأبعادها المختلفة، ليكون قرارها رشيدا وحكيما، ومنسجما مع الدستور والقانون، وأيضا مقدرا للأبعاد السياسية والاجتماعية والإنسانية التي يمكن أن تترتب عليه.
مناسبة هذا الحديث هو إصدار وزير الداخلية أول من أمس تعليمات معدلة لإصدار جوازات السفر العادية للأردنيين خارج المملكة، وتم فيها إضافة نص قانوني (والتعليمات جزء من التشريع) يقول: “وإذا كان طالب الحصول على جواز السفر بحقه طلبات قضائية كمتهم او محكوم فتؤخذ موافقة دائرة المخابرات العامة ومديرية الامن العام ولا تجدد جوازات سفرهم العادية ويتم منحهم وثائق سفر اضطرارية للعودة بموجبها للمملكة بموافقة الوزير”.
أي أنه تم التأكيد عبر تشريع قانوني (التعليمات) على ما هو معمول به منذ سنوات، برفض تجديد جواز سفر الأردني بالخارج إن كان مطلوبا للقضاء كمتهم أو محكوم، في أي قضية، والتضييق عليه في البلد الأجنبي الذي يتواجد به وحصر خياره بالعودة للبلاد.
للوهلة الأولى؛ تبدو الحكمة التشريعية من هذا النص القانوني والإجراء الرسمي مفهومة وغايتها إيجابية بالحرص على تطبيق القرارات القضائية وتضييق الخناق على الهاربين من وجه العدالة لينالوا عقوبتهم القانونية، إلا أن القضية في العمق والجوهر أكبر وأعقد من ظاهرها البسيط؛ قانونيا وسياسيا واجتماعيا وإنسانيا، ومن المهم مناقشة مثل هذا القرار والتعليمات القانونية على أرضية المعرفة الواضحة بأن أعداد الأردنيين في الخارج المطلوبين قضائيا ليسوا بالعشرات ولا المئات ولا الآلاف، بل تفوق الربع مليون مطلوب! وأغلبهم مطلوبون بقضايا مالية وديون عجزوا عن سدادها.
ولا يمكن مناقشة هذه القضية والمقاربات الرسمية للتعامل معها دون الأخذ بعين الاعتبار أن الكثير من المطلوبين في الخارج ترافقهم عائلاتهم، لدى أفرادها مصالح مرتبطة بتجديد جواز سفر رب الأسرة خاصة الأطفال منهم بمدارسهم وما ينفق عليهم من عمل والدهم الذي يحتاج لإقامة رسمية تتطلب توفر وثيقة الجواز ساري المفعول.
كما لا يمكن مناقشة القضية دون الإقرار بأن أغلب الأردنيين الهاربين من السجن لخارج البلاد هم من المتعثرين ماليا وممن خسرت تجاراتهم وأعمالهم في الأردن نظرا للظروف الاقتصادية الصعبة وتزايد سلة الضرائب وكلف الإنتاج على مصالحهم التجارية، وأن عودتهم للبلد لن تعني إجراء تسوية مالية مع المدينين بل تعني السجن وتقطع سبل الحياة بالعائلة.
ولم يعد خافيا أن عودة 10% من هؤلاء المطلوبين من الخارج وربما مثلهم من المتوارين عن الانظار داخل البلد (وتقدر أعدادهم أيضا بربع مليون مواطن!) تعني الحاجة لأعداد مضاعفة من السجون الحالية وإنفاق كبير من خزينة الدولة عليهم، يضاف إليه إنفاق كبير آخر على عائلاتهم من صندوق المعونة الوطنية!
دعْ عنك الإشكالية الدستورية الكبيرة التي يرتبها حرمان مواطن من تجديد جواز سفره كعقوبة إضافية، خاصة إذا امتد ضرر ذلك على أطفاله وزوجته الذين لا علاقة لهم أمام القانون بجرم رب الأسرة. ودعْ عنك أيضا جدل مشروعية حبس المدين الذي يثبت عجزه عن السداد والإفلاس المالي.
هل “غلبّت” الحكومة نفسها لمناقشة تداعيات وأبعاد مثل هذا القرار على المطلوبين الفارين للخارج، وعلى عائلاتهم ومصالح أطفالها ونسائها وهم بعشرات الآلاف؟ وهل ناقشت الأعباء المالية والقانونية والسياسية التي يمكن أن تتحملها الدولة والحكومة جراء هذا القرار؟ ولماذا لم تبحث مثلا الفرز والتمييز بين شرائح المطلوبين؛ بمعنى الفرز مثلا بين المطلوبين بقضايا القتل والاغتصاب والسرقة والفساد والرشوة والإرهاب وبين المطلوبين بقضايا العجز عن سداد الدين والشيكات المالية؟! فهل يتساوى الطرفان؟!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock