أفكار ومواقف

عندما تظاهرنا دعما للعقيد


مثل كثير مما نفعله أول مرة في حياتنا ويبقى عالقا في أذهاننا، كانت المظاهرة الأولى التي خرجت بها في حياتي. كنت أتوجه يوميّا من مدرستي الكلية العلمية الإسلامية، بين الدوارين الأول والثاني، إلى مكان عمل أبي قرب الدوار الثالث، لنعود معا للمنزل. عندما وصلت قرب السفارة الأميركية التي كانت قبالة فندق الأردن، شاهدت مظاهرة صغيرة تجمع العشرات، تحتج على قصف ليبيا (نيسان (إبريل) 1986). بعد تردد وخوف انضممت للمظاهرة. ما تزال وجوه بعض المشاركين عالقة في الذاكرة، شباب يضعون في رقابهم قلادات فضية، يحملون كتب الجامعة، ورجل أسمر نحيف في خمسينيات عمره يرتدي بدلة سوداء قاتمة يقودهم.


فرّقت الشرطة المظاهرة، نالتني عصا واحدة، هربت إلى كراج إحدى الشركات، وعدت بعد قليل لوالدي كأن شيئا لم يكن. القصة ليست شخصية، بل قصة جيل عاش المرحلة. كنت موزعا بين ما قاله لنا أساتذة الدين واللغة العربية في المدرسة، عن الشيوعية، وعن الدولة ذات الاسم الطويل “الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى”، والتي لا يوجد الإسلام في اسمها، كما نبهنا الأساتذة، وبين أنّ ليبيا تعرضت لقصف أميركي.


تواصل ارتباكي: كيف يتقاتل العراق وإيران وكلاهما ضد الاستعمار؟ وكيف يقف النظام السوري البعثي ضد نظيره البعثي العراقي؟ وكيف نسمع في تلفزيون دمشق كل يوم عن جرائم الإمبريالية، وهم يقودون حرب المخيمات ضد الفلسطينيين؟ وزاد القلق، وأنا أقرأ كتابا ترجمه رشيد أبو غيدا، عنوانه “من تل الزعتر إلى صبرا وشاتيلا”، فأصدم بتورط نظام عربي في مجزرة مخيم تل الزعتر. وارتبكت أكثر وأنا أقرأ بعد أشهر من قصف ليبيا عن الحصار العربي للفلسطينيين في مخيمات لبنان وتجويعهم حدّ التفكير بأكل لحم القطط والكلاب والموتى! ثم عندما دخلت الجامعة وجدت نفسي أصف اجتماعا للمعارضة العراقية في لندن، أمام صديق عراقي، بأنّه “اجتماع الخونة”. فخرج عن طوره، وكسر صمته، وتحدث بوجع، وهو يروي لي معاناته وأسرته على يد نظام صدام حسين. أدركت يومها أنّ للحقيقة وجوها أخرى.


فجعت وأنا وأقرأ تفاصيل اغتيالات تنظيم صبري البنا (أبو نضال)، للفلسطينيين بدعم ليبي. وشعرت بألم شديد وأنا أرى العقيد يطرد الفلسطينيين للنوم في الصحراء والعراء أشهرا، حتى تراجع عن قراره في مقابلة تلفزيونية على قناة “أوربت” مع عماد الدين أديب!


فرحت كثيرا يوم مقتل محمد أنور السادات، وسمعت الخبر من مذياع في مخبز وأنا أشتري الخبز. حزنت لاحقا أني فرحت يومها، لا تراجعا عن نقمتي على السادات وعلى كامب ديفيد، ولكن لأنّ القتل أمر لا يفرح، حتى عندما يكون اضطراريا.


بقدر الألم الذي ينغرس في القلب على وقع مجازر النظام الليبي ضد الشعب العربي هناك، بقدر ما يؤلمك أن تجد أناسا تحترمهم ولا تشك بإخلاصهم، يدافعون عن شيء يسمونه أنظمة الممانعة. ليس مطلوبا أن تؤيد أنظمة أخرى ولا أن تؤيد سياساتها. ولكن لا تدافعوا عن أنظمة ارتكبت المجازر ضد شعبها سواء أكانوا شيعة، أم أكرادا، أم إخوانا مسلمين، أو فلسطينيين… إلخ، وما يزالون يسيرون في غيهم. قلبوا أنظمة الحكم ليأتوا بحكم تقدمي، فأصبحت دولهم جمهوريات وراثية، يلعبون بدساتيرها ويغيرونها في ساعة، أو لا يضعون دستورا أصلا.


ضحايا هؤلاء يخاطبون من ينظّرون ويدافعون عن تلك الأنظمة باقتباس من قصيدة “لا تصالح”، لأمل دنقل، ويقولون: “هل يصير دمي -بين عينيك- ماء؟”.


نعم، ترتكب الصهيونية بدعم أميركي جرائم كل يوم، ولكن زعم العداء لجرائم أميركا لا يبرر نسيان جرائم هؤلاء، وشعب مقموع خائف لن يحقق انتصارا. وما يجري في ليبيا كفيل بدعوة المخلصين لمراجعة بعض أجزاء منظومتهم الفكرية.


[email protected]

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. الأردن
    تذكرت كل هذه الجرائم ولم تتذكر أن نظام القذافي هو من أخفى-ووو- قتلة الشهيد وصفي التل؟!!!

  2. جميل يا احمد جميل
    من أجمل ما قرأت و مما يعبر عن الارتباك و تضارب الافكار في رؤسنا في هذا الزمن المتقلب
    شكرا

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock