ترجمات

عندما تنتهي الإمبراطوريات: آخر أيام الهند البريطانية


مايا جاسانوف* – (فورين أفيرز) عدد كانون الثاني (يناير)/ شباط (فبراير) 2019

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

اصطف تلاميذ مدرسة الآنسة هيغينز في كالكوتا بعناية من أجل التقاط الصورة؛ أكتاف البنات ملتفة بالضفائر المنسدلة، وركب الأولاد تطل من تحت السراويل القصيرة. وتوهجت أزياؤهم المدارية بإشراق في الصورة بالأبيض والأسود. وكان العديد من هؤلاء الأولاد، بمن فيهم أمي وعمي، بنغاليون. وكان بعضهم أوروبيون، وكانت واحدة منهم على الأقل نصف بنغالية، مثلي. “كان عمها هو دبليو. إتش. أودِن”، كما قالت جدتي، وهي تشير إلى فتاة في الصورة اسمها أنيتا.
إذا كنتُ أعرف من هو الشاعر دبليو. إتش، أودِن عندما رأيت تلك الصور للمرة الأولى من أيام جدتي المدرسية في الخمسينيات، فإنني لم أكن أعرف أي شيء عن شقيقه، جون بيكنيل أودِن، والد أنيتا، إلى أن قرأت كتاب ديبورا بيكر، “الإنجليز الأخيرون”The Last Englishmen. وكان أودِن واحداً من الشخصيات الرئيسية في السيرة التي تسرد تجربة تلك المجموعة من الشباب الإنجليز الذين ذهبوا إلى الهند في أوائل العشرينيات ليعملوا كمدراء إمبرياليين. وقد ذهبوا وهم يتوقعون يشاركوا بحصتهم في إدامة “جوهرة التاج” في الإمبراطورية البريطانية الشاسعة، كما فعلت أجيال من قبلهم. لكنهم وجدوا أنفسهم وهم يشهدون بدلاً من ذلك على أفول نجم الحكم البريطاني، عندما تُوج كفاح وطني طويل في العام 1947 بتقسيم الهند البريطانية واستقلال الهند وباكستان.
يمكن أن يبدو النضال من أجل الاستقلال عن حكم إمبريالي قمعي، لدى النظر إليه بعد مدة، واحداً من خيارات الأبيض أو الأسود، (الكفاح ضد الفاشية مثال آخر)، حيث يكون الخيار الذي يمكن أن يعتنقه أي صاحب موقف واضحاً تماماً. لكن ما تظهر قصص الحياة التي بُحثت بعمق وصُوِّرت بروعة ورُويت ببراعة في كتاب “الإنجليز الأخيرون” هو، كم تكون تلك التغيرات العالمية التاريخية مشوشة في الحقيقة عندما تعيش في وسطها. وهو ما يجعل من ذلك الكتاب استكمالاً قيِّماً للروايات الأكثر تقليدية عن التخلص من الاستعمار كعملية يقودها ناشطون واضحو النظرة والمنطق التاريخي. وإذا كان ثمة شيء، فإن التأريخات من نوع تأريخ بيكر ربما تكون بالضبط ما تمس الحاجة إليه في اللحظات الراهنة الساخنة، كتذكير بالطرق العديدة التي يعثر بها الناس على سبُلهم خلال فترات التحول السياسي.
رجال إمبرياليون
كان جون أودن قد تخرج حديثاً من جامعة كيمبريدج عندما سافر إلى البنغال، أكثر المناطق اكتظاظاً بالسكان في “الراج”، في العام 1926. وقد ذهب إلى هناك ليتولى عملاً مع شركة “المسح الجيولوجي للهند”. ووضعته أول مهمة له أمام مسح حقول الفحم الداخنة المشبعة بالبخار في شمال كالكوتا، لكنه حلم باستكشاف قمم جبال الهيمالايا المتشققة. وكان أودِن واحداً من كثير من الشباب الأوروبيين الذين اشتعلوا حماسة بفعل المنافسة المتصاعدة بين قوى أوروبا ليكونوا الأوائل في الوصول إلى قمة جبل إيفرست. وكان كل من يتمكن من تسلق إيفرست، كما يقول المنطق الضمني، يقف على قمة العالم.
تجد بيكر خطاً سردياً مثالياً لسيرة أودن وسط الصفوف المغلقة للطبقة الوسطى العليا البريطانية. كان مايكل سبيندر زميل صف لدبليو. إتش. أودن وشقيق شاعر مختلف، ستيفن سبيندر. وباعتباره خريجاً من كيمبريدج التي تخرج منها أودن، وجغرافياً جيولوجياً، تدرب مايكل سبيندر على صناعة الخرائط والتصوير الجوي في جبال الألب، وذهب به السبل ليهبط في البقعة التي كان أودن يتوق إليها، عندما اختير في العام 1935 ليكون المسؤول الرئيسي عن رحلة استكشافية لاستطلاع جبل إيفرست.
لم يكن أودِن وسبيندر، ببساطة، من بين آخر الإنجليز الذين استخدمتهم الدولة الكولنيالية، وإنما كانا من بين الأخيرين الذين وصلوا سن البلوغ مع الريح التي تجري في اتجاه تعظيم الثقة الإمبريالية بالنفس. وبلغا سن الرشد بعد الحرب العالمية الأولى، عندما كانت الإمبراطورية البريطانية أكبر من أي وقت مضى، على الورق، بعد أن تحولت مجموعة من المستعمرات العثمانية والألمانية السابقة إلى أيدي البريطانيين كمناطق انتداب حددتها عصبة الأمم. وكانت الإمبراطورية البريطانية تدار بطريقة أكثر ليبرالية أيضاً، مع نشر الحكم الذاتي إلى ما تدعى المستعمرات البيضاء –كندا، وأستراليا، ونيوزيلاندا، وجنوب أفريقيا وإيرلندا. وكان القليلون من البريطانيين عند نهاية الحرب يدعمون استقلال المستعمرات الاستوائية. وإذا كان ثمة شيء، فإنهم ربما توقعوا قدوم حقبة جديدة من الإدارة المستنيرة على الطريق.
مع ذلك، كان الصرح الإمبريالي، في الممارسة، يتصدع تحت ضغط القوميين –وليس في أي مكان أكثر أهمية من الهند، المستعمرة الأكبر والأكثر قيمة بين الجميع. وكانت الهند قد ساهمت بكثافة في جهود الحرب، وفي المقابل، أمل زعماء الهند السياسيون أن يتخذ البريطانيون خطوات أولى نحو منح بلدهم الحكم الذاتي. وبدلاً من ذلك، أجرت الإدارات البريطانية المختلفة إصلاحات طفيفة فحسب، والتي قامت بتعويضها من خلال تكثيف الرقابة الشرطية على المعارضة. وفي العام 1919، فتحت القوات البريطانية النار على تجمع قومي سلمي في مدينة أمريتسار وقتلت نحو 400 من المتظاهرين العُزَّل. وحفزت هذه المجزرة أول تظاهرة على مستوى الهند كلها بقيادة المهاتما غاندي، الذي طبق فلسفته اللاعنفية على القضية القومية.
سوف تتميز العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين بلعبة قط وفأر من المظاهرات، وحملات القمع، والتسويات. وقد سجنت السلطات البريطانية قادة الاستقلال، ثم أطلقت سراحهم تحت الضغط الجماهيري. ونظم غاندي حملات عصيان مدني لا تني تزداد اتساعاً وكسب المزيد من الإصلاحات التشريعية. لكن تلك الإصلاحات ظلت قاصرة عن بلوغ الحكم الذاتي، وعندما جلبت السلطات البريطانية الهند، من جانب واحد، إلى الحرب العالمية الثانية، من دون الوعد بمنحها الاستقلال في المقابل، انقصف خيط صبر القوميين. وفي العام 1942، دعا غاندي البريطانيين إلى مغادرة الهند ومنحها الحكم الذاتي على الفور. وبحلول ذلك الوقت، كان المتشدد البنغالي، سوبهاس تشاندرا بوز، يجمع جيشاً، بدعم ياباني، لطرد البريطانيين بالقوة.
أزمة ثقة
في أي تأريخ للهند البريطانية، تظهر هذه الأحداث كمعالم على الطريق إلى الاستقلال. وهي، في “الإنجليز الأخيرون”، حصى في جداول حيوات الأبطال. وتكتب بيكر: “إذا كان القرن التاسع عشر كله عن تكديس مأثرة بطولية موثوقة بالكاد بعد الأخرى، فقد بدا القرن العشرون كله متعلقاً بالجلوس وتحلل المرء من حوافزه”. وقد بدأ أودن العناية بالتحليل النفسي خلال فصل دراسي في باريس، واستخدم الكتابة في مجلته كنوع من العلاج النفسي. والتقى سبيندر بعالِم النفس السويسري، كارل يونغ، على متن سفينة مبحرة من الهند وبدأ بدوره مساقاً في التحليل النفسي اليونغي.
عكست فحوصات أودن وسبيندر الذاتية أزمة أكثر عمومية في الثقة في النظام الإمبريالي. وثمة عضو آخر في دائرة أودن-سبينسر، هو مايكل كاريت، الموظف الإداري الثانوي في البنغال، والذي أصبح (مثل جورج أورويل في بورما) مشمئزاً من أداء التفوقية البيضاء. ولذلك، أصبح كاريت مُخبِراً للحزب الشيوعي الهندي وأوصل ملاحظاته إلى مجموعة “العصبة ضد الإمبريالية” المتطرفة في لندن. ويتماهى مساره الخاص من موظف إمبريالي إلى ناشط مناهض للإمبريالية مع انعطافة أوسع إطاراً في الرأي العام البريطاني. وبينما كان غاندي يطلق حركة “غادروا الهند”، أقر حزب العمل “ميثاق الحرية للشعوب الكولنيالية” في مؤتمره في العام 1942، داعياً إلى المساواة الاجتماعية والحكم الديمقراطي في كل أنحاء الإمبراطورية.
لم يكن البريطانيون وحدهم هم الذين اختبروا التحولات خلال تلك الأيام المحمومة. وتعرِّف بيكر القراء إلى سودهيندرانات داتا، وهو عضو في النخبة الهندية إنجليزية التعليم في كالكوتا، الذي تعاظمت ثروات عائلته بالتزامن مع وجود الإمبريالية البريطانية في النبغال. وفي العام 1929، قام داتا برحلة إلى الولايات المتحدة مع الشاعر الحائز على جائزة نوبل للآداب، رابندرانات طاغور، لكنه عاد مشمئزاً من كل من الاستشراق الغربي، وبما رآه على أنه اضمحلال كالكوتا. وأنشأ مجلة أدبية و”صالوناً” في مسكن عائلته في شمال كالكوتا. وفي ليالي الجمعة، بين رفوف الكتب المزدحمة بالمجلدات التي تسرد سيَر السير وولتر سكوت وألفرد لورد تينيسون، اجتمع الإنتليجنسيا البنغاليون (مع شخص مشتبه بأنه مخبر للشرطة البريطانية) للتداول في شون السياسة الهندية والشؤون العالمية. وكان ذلك “الصالون” بمثابة مقياس لمدى حيوية مناهضة الاستعمار الهندية، حيث تنافست رؤية غاندي التدريجية للاستقلال مع أفكار المنافسين المتشددين، بمن فيهم الشيوعيون و سوبهاس بوز.
على الرغم من أن أودِن وسبينسر هما حجارة الزاوية للكتاب –اسمياً- فإن الشخصية التي ربما تكون الأكثر إقناعاً وحياة في “الإنجليز الأخيرون” هي امرأة إنجليزية ارتبطت بهما كليهما. نانسي كولدستريم، ابنة طبيب ريفي من كورنيش، والتي انتقلت إلى لندن في العام 1928 لتلتحق كطالبة بكلية سليد للفنون الجميلة. وعلى أساس فكرة أن طريق المرأة إلى الثروة يعتمد على ارتباطها بالرجل المناسب، تزوجت بسرعة من الفنان الأكثر وعداً في الصف، بيل كولدستريم. وفي زمن سريع بنفس المقدار، نفد الزوجان من المال ودخلا في المتاعب الزوجية. واستُنفد الوقت الذي تحتاجه نانسي لصناعة الفن في العناية بابنة رضيعة. ومني إبداع بيل نفسه بالفشل، على الرغم من أنه واصل المحاولة بإصرار شديد، حتى أنه عندما لم يجد أرضية لوحة فارغة، استخرج واحدة من صور نانسي ورسم فوقها “دون أن يفكر ولو للحظة واحدة”.
بدا أن الأمور تصبح أفضل لعائلة كولستريم في العام 1935، عندما حصل بيل على عمل في تحرير الأفلام للوحدة الوثائقية في النظام البريدي البريطاني، وجلب زميلاً جديداً لكي يسكن معهما في البيت: دبلو. أتش. أودِن. وسرعان ما أصبح أودِن ونانسي صديقين، ومن خلاله، التقت نانسي بمجموعة من الرجال الذين سيغيرون مسار حياتها. أولاً جاء صديق أودِن، لويس ماكنيس، الشاعر الأيرلندي الشاب، الذي وقع في غرامها بجنون وبدأ معها علاقة غرامية، معلناً أنه “قبل أن يلتقي بنانسي، كان مصاباً بعمى الألوان”. ثم جاء شقيق أودِن، جون، الذي سرعان ما “سحرته” نانسي. وبدأت علاقة معه هو أيضاً، ووعدته بمنحه مشاعرها المستمرة “طالما أنه لا يُلحق الضرر بلويس أو يتدخل مع بيل”. وكان ذلك وضعاً مستحيلاً. وعندما عاد جون إلى الهند، كان قد أخذ مكانه رجل آخر كان هو نفسه قد عرَّفه إلى نانسي. وكان ذلك، حتماً، هو مايكل سبيندر.
هل كانت نانسي كولدستريم أيضاً “أخيرة”؟ مع كل تحرر النساء في حقبة ما بين الحربين –بما في ذلك منحهن الحق في التصويت وإقرار قوانين طلاق مخففة لصالح النساء- كانت حالتها تجسيداً كلاسيكياً عادياً للمهنة التي يعطلها الزواج وإنجاب الأطفال. وعلى الرغم من أن بيكر تلاحظ في حاشية إضافية أن نانسي “يتم تذكرها كواحدة من أدنى رسامي عصرها مرتبة” فإن قصة حياتها، كما هي موصوفة في هذه الصفحات على الأقل، هي قصة الرجال الذين أحبتهم. وبالنظر إلى عدد القيود التي واجهتها والتي ما تزال يتردد صداها اليوم، فإنه ليس من باب المصادفة أن يتم سرد تاريخ امرأة على الأغلب في “الأوائل” وليس “الأخيرين”.
نهايات مفتوحة
لدى بيكر موهبة فذة في كتابة المشهد، وجاء تصميم الكتاب موافقاً لذلك، حيث قسمت كل فصل إلى أجزاء مروّسة بعنوان وتاريخ. كما لو أنها في مسرحية. وفي السرد، تستحضر بيكر “ستائر المطر المتموجة” وهي تقطر على الريف، و”تيارات براهمابوترا الحريرية” وهي تجري “عبر الشلالات المتفككة نحو خليج البنغال”، بالإضافة إلى اكتظاظ الهند الحضرية، حيث “كل شرفة تحمل حشداً ويطل من كل نافذة وجه فضولي” وحيث “البقالون ينامون بين الخضروات في أكواخ خيزرانية مرتفعة على جوانب الطرق المزدحمة”. وثمة مجموعة من الرسائل والمذكرات الصريحة التي تتيح لبيكر أن تغوص عميقاً في رؤوس الشخصيات وقلوبهم. ولدى قراءة “الإنجليز الأخيرون” يكاد المرء يتخيل نسخة متلفزة من القصة في رأسه.
لكن إنتاج دراما قوية يحتاج إلى تحويل مشاهد السرد إلى أفعال. وفي الكتاب، غالباً ما يكون من الصعب معرفة الوجهة التي يذهب إليها “الإنجليز الأخيرون” –حقيقة أو مجازاً. وربما يبدأ فصل ما في حي في لندن، ويقفز إلى ممر في الهيمالايا، ويتوقف في مكتب في كالكوتا، وينتهي به المطاف في فندق صغير في دارجيلنغ (الفصل العاشر)، أو أنه رُبما يُفتتح في بيت في كورنيش قبل أن ينتقل إلى فندق نيويوركي، ويزور قصر الوالي في نيودلهي، ويحضر جلسة في “صالون” داتا (الفصل 14). ويعمل ذوق بيكر في كتابة الفقرات من جملة واحدة على تعزيز حس بالتواتر المتقطع لخيط السرد. وهو تكنيك خطابي يمكن أن يكون فعالاً جداً في إثارة التوقع أو تثبيت فكرة، لكنه يظهر هنا في الكثير من الأحيان كقطع أو يبدو غير ذي صلة.
يصنع ذلك عائقاً بشكل خاص عندما يأتي الأمر إلى استخلاص، إذا كان ثمة شيء، ما تريد بيكر أن تستنتجه حول طبيعة الاستقلال الهندي. ويكمن أحد وعود الكتاب في قدرته على استكشاف الكيفية التي يفهم بها الناس أدوارهم في نظام ذاهب إلى الفشل. ومع ذلك، ومع كل عنفوان متاعبهم المهنية والرومانسية (أو ربما بسببها)، يظل من الصعب استبطان ماهية وعي أودِن وسبينسر الذاتي لموقعهما كعملاء للسلطة البريطانية في حقبة من المعارضة المتصاعدة. ربما يكون الدرس غير مقيد بزمان، وهو أن التاريخ يصنع الناس أكثر بكثير مما يصنعونه هم. أو ربما أن التردد نادراً ما يوقف ماكينة الحياة المعقدة، التي زيتها الحب، والطموح، والفضول، والرغبة، والولاء، والقلق والأمل.
مع بداية الحرب العالمية الثانية، تدور الآلة بسرعة وغضب. تصبح نانسي كولدستريم سائقة سيارة إسعاف. وسبيندر يقرأ الصور الجوية لسلاح الجو الملكي البريطاني. وأودِن، على الرغم من كونه طياراً هاوياً، يفشل في اختبار طياري سلاح الجو الملكي. وفي الأثناء، في الهند، يصل العنف إلى مستويات جديدة. تعصف قاذفات القنابل اليابانية بكالكوتا. والمجاعة تدمر البنغال، وتقتل أكثر من ثلاثة ملايين إنسان؛ وسوف يرى داتا الجائعين وهم ينسلون إلى سلالم بنايته السكنية ليفروا من وجه الشاحنات التي أرسِلت لإخراجهم إلى الريف لكي يموتوا هناك. وعندما تنتهي الحرب، فإن العنف لا ينتهي: في “قتل كالكوتا العظيم” في العام 1946، يتعرض نحو 15.000 إنسان، معظمهم من المسلمين، إلى الذبح في أعمال الشغب الطائفية.
يمكن أن يفضي التخلي عن سرد نهايات شخصيات معينة إلى إفساد الحبكة الروائية، لكن أحداً لا يتفاجأ عندما يُختتم الكتاب باستقلال الهند في العام 1947 (وفي ذلك الوقت، بالمناسبة، لم يكن أحد قد بلغ قمة جبل إيفرست بعد، على الرغم من المنافسة الإمبريالية لسنوات ما قبل الحرب). وعلى الرغم من أن غاندي رسم مساراً للحرية على أساس مبدأ اللاعنف، فإن استقلال الهند وباكستان –ورسم الحدود بينهما) كان مصحوباً بالهجرة الجماعية والعنف المريع. كان هذا هو “الحرية والموت” كما وصفه غلاف مجلة “تايم” بطريقة يتعذر محوها.
لم يكن أودِن ولا سبيندر هما اللذان شهدا تحول السلطة أقرب ما يكون؛ كان الذي رآه عن قرب هو أحد معارفهما، ماكنيس. وعندما أرسلته محطة هيئة الإذاعة البريطانية “بي. بي. سي” لتغطية التحولات، شاهد الألعاب النارية الاحتفالية في نيودلهي وأجرى مقابلة مع جواهر لال نهرو، أول رئيس وزراء للهند المستقلة، قبل أن يتجه إلى باكستان. وفي مخيم للاجئين قرب الحدود، التقى ماكنيس وجهاً لوجه بالجانب المروع للحرية: مئات الرجال، والنساء والأطفال وهم “تُطلق النار عليهم، ويُطعنون، ويضربون بالهراوات، أو تُشعل فيهم النار” وهم في طريقهم إلى الهند، في مستشفى ميداني صغير بطبيب واحد فقط ليعتني بهم. ويكتب ماكنيس قصيدة في دفتر مذكراته: “الليل يحطُّ على طريق كبلينغ العظيم وكل المخيمات المهجورة؛ على مطحنة القنّب والصومعة، على الصليب وتمثال شيفا…/ على الرجال الذين لم يغادروا الغابة أبداً/ وعلى الإنجليزي المغادر الأخير”.
لكن الإنجليز لم يكونوا قد غادروا جميعاً بعد. في أوائل العام 1939، كان داتا قد عرَّف أودِن إلى المرأة التي ستصبح زوجته في نهاية المطاف. كانت رسامة بنغالية مرحة تدعى شيلا بونيرجي، العائدة تواً من الدراسة في لندن. وقد تفاجأ أودِن نفسه عندما قبلت أمه أخبار زواجه من هندية بعادية ولامبالاة، “قائلة له أن الناس يعاملون المستعمَرين بشكل مختلف هذه الأيام”. وقد وُلدت للزوجين ابنة في العام 1941؛ ثم ولدت الثانية، ريتا، في العام 1942. وأتساءل عما إذا كانت الفتاتان قد نظرتا في صورة قديمة من أيام مدرستهما ورأتاها كما فعلتُ أنا –ظلاً للإمبراطورية في فجر ما بعد الكولونيالية.

*نشرت هذه المراجعة تحت عنوان: When Empires End: The Last Days of British India
*أستاذة كوليدج للتاريخ في جامعة هارفارد، ومؤلفة كتاب “مشاهدة الفجر: جوزيف كونراد في عالَم معولَم”.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock