ثقافة

عندما كـتب الطب شعرا.. أرجوزة ابن طفيل في وصف الأمراض وعلاجها

الدوحة -عرفت الحضارة الإسلامية في القرون الوسطى تأليف المنظومات العلمية في فنون عقلية وعلمية وشعرية مختلفة، وتضمنت مناهج التعليم آنذاك تأليف المنظومات الشعرية في العلوم المختلفة، ليسهل حفظها واسترجاعها وكتابة الشروح والحواشي والاستطرادات حولها لتفسير ما أوجزته وتسهيل الطريق على الطلاب لفهمها.
وفي علم الطب اشتهرت منظومة الشيخ الرئيس ابن سينا “الأرجوزة الطبية” التي كتبها في أكثر من ألف بيت شعري من بحر الرجز، وترجمت إلى اللغة اللاتينية في القرن الـ13 تحت اسم “الأغنية”، فصل فيها ابن سينا في الطب النظري والعملي، ورتب فيها مسائل الطب وربطها بقواعد مصاغة في قالب شعري.
وولد ابن سينا في بخارى (في أوزبكستان حاليا) وتوفي في همدان (في إيران الحالية) العام 427 هـ الموافق 1037م بعد أن قضى حياته في الشرق الإسلامي، وفي الغرب الإسلامي وغير بعيد عن زمن ابن سينا، نشأ فيلسوف وعالم وطبيب آخر هو ابن طفيل القيسي الأندلسي، الذي توفي 581هـ/1185م.
وتعلم ابن طفيل الطب في غرناطة وعمل قاضيا بالأندلس، وكان كاتبا وفيلسوفا ورجل دولة تولى الوزارة في عهد دولة الموحدين، واشتهر بقصته الفلسفية الشهيرة “حي ابن يقظان” التي كان لها تأثير كبير على الأدب العربي والأوروبي اللاحق لعصره.
وكتب ابن طفيل أرجوزة شعرية في علوم الطب، في نظم طويل قال عنه:
أذكر فيه علل الإنســان.. بغاية الإيضاح والبيان وأذكر الأعضاء فيه جمعا.. ذكرا يفيد من وعى واستمعا
واستفاد ابن طفيل من علوم ابن سينا وتأثر ببصماته الطبية والأدبية على حد سواء، ويقع نظم ابن طفيل في أكثر من 7700 بيت، تناول فيه أجزاء جسم الإنسان كافة، ومنها حديثه عن تورم العينين قائلا:
قد يعرض الجساء للأجفان.. مع وجع تحسه العينان
وحمرة وعسرة انفتاح.. عند انقضاء النوم في الصباح
وسدة ليست مع الصلابه.. وقلة الحراك والإجابه
وتلا وصف ذلك المرض شرحه لعدد من النباتات والعلاجات المستخدمة، بأبيات شعرية كذلك. وفي كتابه “العلوم العقلية في المنظومات العربية.. دراسة وثائقية ونصوص”، يرى المؤلف جلال شوقي -عميد كلية الهندسة بجامعة قطر- أن النظم التعليمي لعب دورا بارزا ليس في تيسير حفظ العلوم والمعارف، وسهولة تمثلها واسترجاعها فحسب، وإنما في أحيان كثيرة في الحفاظ على المعارف ذاتها.
ويتابع شوقي في مقدمة كتابه القول إن صوغ المعارف الإنسانية في قوالب شعرية يجعلها قابلة للحفظ والاستظهار وأكثر صونا عن الخطأ والزلل والتحريف، حيث تحكمها قواعد محددة وتضبطها موازين دقيقة.
ويشير شوقي إلى أن الحضارة الإسلامية أفادت من النظم العلمي لدى الإغريق والهنود وتوسعت فيه، وهو ما يفسر إلمام علماء العرب والمسلمين المبكرين بعدد ليس بقليل من العلوم والمعارف، نظرا لحفظهم مجموعة من المتون والمنظومات التعليمية التي يتسنى للدارس تكوين خلفية موسوعية تؤهله -حتى في سن مبكرة- للإدلاء بدلوه في بحر الحضارة الإسلامية العربية الزاخر.
ويصنف شوقي أنواع المنظومات العربية في أربع مجموعات، العلوم العقلية، والعلوم الشرعية، والعلوم اللسانية، والعلوم الاجتماعية والمعارف العامة، ويعتبر أنها تتسق مع الإنسان العربي المفطور على حب الشعر وقرضه وتذوقه والتغني به.
وتعدى النظم حدود الأحاسيس والمشاعر والانفعالات الإنسانية إلى آفاق أرحب تكاد تغطي مجمل المعارف الإنسانية برمتها، ومن ثم خرج القصيد عن أغراضه التقليدية كالمديح والغزل والعتاب والهجاء والفخر والرثاء، واتجه إلى صياغة شعرية لألوان المعرفة كافة لأغراض تعليمية.
وصيغت العديد من المنظومات في مجال “العلوم العقلية” كالكيمياء والطب والأغذية والفلك والرياضيات والموسيقا وغيرها، وكذلك في العلوم الإنسانية والعلوم العسكرية وعلوم اللغة العربية وقواعد النحو والصرف وعلوم البلاغة وغيرها.- (الجزيرة نت)

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock