أفكار ومواقف

عندما لم يعد الإنسان يتميز بالتفكير

إذا كنت تملك معرفة واسعة، وتفكر بمنهجية صحيحة وقادرا على التحليل؛ فربما تكون روبوتا أو برنامجا حاسوبيا، فقد تفوق الحاسوب على الإنسان في الإحاطة بالمعرفة وتنظيمها وتحليلها، وعندما تتواصل الحواسيب فيما بينها بدون تدخل أو وساطة إنسانية (إنترنت الأشياء) فإن معظم إن لم يكن جميع ما يفعله الإنسان أو يتميز به سيكون الحاسوب وامتداداته (الانترنت والروبوتات والطابعات ثلاثية الابعاد، والنانو تكنولوجي، والتقنية الحيوية،..) قادرا على أدائه بكفاءة أفضل، وبمزايا إضافية خارقة، مثل الوصول إلى أماكن ليس في مقدور الإنسان الوصول إليها، وإنجاز الأعمال بسرعة تفوق سرعة الإنسان أضعافا مضاعفة، والإحاطة الشبكية الشاملة في وقت واحد كما تفعل الشبكات اليوم وفي المستقبل القريب، ومواصلة العمل على مدار اليوم والساعة.
وبطبيعة الحال فإن تغيرات عميقة تجري على وعي الإنسان بذاته ومركزه في الحياة والكون، ومعنى العمل والمكان والزمان، وجدوى المؤسسات الاجتماعية والتنظيمية التي أنشأها الإنسان في مرحلة الدولة المركزية وما قبلها، ثم القيم والأفكار التي أحاطت بالحضارة الإنسانية،..
يقول الفيلسوف الفرنسي بليز باسكال (1623 – 1662) ليس الإنسان سوى ريشة، هو أوهن شيء في الطبيعة، قطرة ماء واحدة تكفي لقتله، لكن إذا كان الكون يسحقه فإنه يظل أنبل من الذي قتله، لأنه يعلم أنه يموت والكون لا يعرف شيئا عن الميزة التي يتفوق بها عليه. لكن باسكال هو نفسه من قوض هذه القاعدة عندما صنع آلة لإجراء العمليات الحسابية. وربما لم يدرك الإنسان التحول العميق الذي أسست له الآلة الحاسبة، حتى تقدم آلن تورينغ (1912 – 1954) بفكرة ترميز المعرفة وتحويل قدرات الإنسان المعرفية إلى رموز حاسوبية، وإمكانية تعليم الحاسوب المنطق والذكاء بكفاءة عالية جدا تفوق كفاءة الإنسان على نحو يجعله ضئيلا بالنسبة للآلة!
ربما يكون مواليد ما قبل العام 2000 الجيل الأخير الذي يلاحظ الفرق بين عالم الشبكة والعالم المادي، ولم يعد مصطلح “افتراضي” يعكس بصحة العالم الذي يتشكل، إذ إنه يتحول إلى عالم واقعي، ويشهد هذا الجيل انتقالا من بيئة غير متصلة بالشبكة إلى بيئة متصلة، وربما لن يرى الجيل القادم أو يلاحظ فرقا بين البيئتين، وفي واقع الحال لن يكون سوى بيئة واحدة، هي التواصل الدائم مع الشبكة.
فالمجتمعات والمؤسسات والأعمال يتزايد اعتمادها أكثر فأكثر على تكنولوجيات المعلومات والاتصالات لأداء عملها الاعتيادي ولتحقيق النمو؛ وسوف تتزايد قدرة المعالجة، في حين أن أسعارها سوف تنخفض؛ وسوف يبلغ كم البيانات قدرا لا يمكن تصوره؛ وسوف تنمو قيمة فائدة شبكتنا الحاسوبية نموا يكاد يكون عموديا.
لكننا (الإنسان) نفقد (مرجح) مكانتنا المتميزة والفريدة في عالم التفكير المنطقي، ومعالجة المعلومات، والسلوك الذكي، فأجهزتنا الرقمية تنفذ مزيدا ومزيدا من المهام الفكرية، وفي ذلك نتخلى عن موضع كنا نظن أنه «فريد من نوعه”، لقد صدم تورينغ العالم إلى درجة أن نظاما سياسيا متقدما ديمقراطيا وعقلانيا (بريطانيا) دفع به إلى السجن والانتحار! لكن العالم اعترف لتورينغ وردّ له اعتباره بعد موته (قتله) بخمسين سنة، لقد كان يجسد قصة حارس الفنار الذي حذر قائد البارجة، كان الحارس البسيط بما يملكه من معرفة ومنطق أقوى من البارجة والجنرال، وعندما أصر الجنرال على اعتقاده أنه بسلطته وقوته أقوى من الحارس حطم نفسه والسفينة! وحتى لا نكرر مأساة السفينة والفنار فإننا في حاجة إلى أن ننشئ عالمنا الجديد المختلف والمستقل عن عالمنا القائم ونلاحظ بوعي وإحاطة كل ما يجري حولنا وأن ندخل في عمليات استماع طويل وعميق إلى التاريخ والحاضر والمستقبل.

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock