أفكار ومواقف

عندما يرزقنا الله بإنجاز حكومي!

“شرُّ البلية ما يضحك”.. ورد هذا المثل الشعبي على خاطري فور قراءتي لخبر انخفاض نسبة تهريب الدخان في السوق المحلية بنحو 80 % خلال الأشهر العشرة الماضية من هذا العام، باعتبار ذلك إنجازا حكوميا حدّ من ضياع عشرات وربما مئات الملايين من الدنانير على خزينة الدولة بعد تحول مستهلكي الدخان المهرب إلى المحلي القانوني الذي تتقاضى الدولة عليه ضرائب مرتفعة تصل إلى أكثر من
70 % من سعر المنتج!
طبعا؛ لا شك أن ضبط 1.1 مليون كروز سجائر مهربة خلال 10 أشهر يعد “إنجازا” حكوميا ونجاحا لإجراءاتها المشددة التي اتخذتها واعتمدتها منذ عدة أشهر بعد أن استنفرت كل سلطاتها وإمكانياتها لمكافحة تهريب السجائر وتجارة السجائر الإلكترونية إثر “اكتشافها” المتأخر وهي تفتش بدفاترها العتيقة بعد تفجر “قصة مطيع” أن خزينتها تخسر مئات الملايين من الدنانير بدل ضرائب ورسوم الدخان المهرب، حيث لجأت لفرض ضريبة 10 % على السيجارة الإلكترونية لتعيد مستهلكيها إلى السجائر العادية المدرة للضريبة المربحة، وشددت تشريعات مكافحة التهريب واجراءات التفتيش عبر الحدود وفي الأسواق لتحقق هذا “الإنجاز”.
صحيح أن الإنطباع الشعبي عن هذا “الإنجاز” الحكومي هو انطباع سلبي لأنه حرم ويحرم عشرات الآلاف من محدودي الدخل ومتوسطيه من الدخان المهرب بأسعاره المتواضعة نسبيا ويضطرهم للعودة للدخان المحلي مرتفع السعر، لكن “ما علينا” فالإصلاح له ضحاياه ومتضرروه! وهي لم تقف عند كلفة السجائر على الفقراء ومحدودي الدخل فقائمة الكلف المرتفعة تطال معظم حاجات وأساسيات هذه الشرائح فلا ضير كبيرا من مزيد من العبء في سبيل الوطن والمصلحة العامة!!
بل يمكن للحكومة “الرشيدة” أن تحاجج عند مواجهتها بهذا الانطباع الشعبي السلبي بأنها الأحرص بذلك على صحتهم، فارتفاع أسعار الدخان جراء الضرائب المرتفعة مع اجتثاث المهرب منه من السوق يحد -كما يفترض- من الإقبال على استهلاكه وبالتالي نضمن صحة المواطن.. مع أنني أظن -رغم أن بعض الظن إثم- أن الحكومة تدعو الله ليل نهار أن لا ينخفض حجم الطلب على الدخان بين الأردنيين لئلا ينقطع هذا “النفط” المربح للخزينة!
ما يثير فضولي وحنقي ليس تحقيق هذا “الإنجاز” الحكومي بقصة الدخان والذي هو مدعاة للرضا والإشادة باعتباره تحقيقا لسيادة القانون والمصلحة العامة، إنما ما يثير الحنق والتساؤلات هو اكتفاء الحكومة على هذا الصعيد بـ”الإنجاز” المبدع في هذا المجال فقط، فيما ما تزال تخفق -مثلا- في مكافحة التهريب الضريبي وتحديدا من ضريبة الدخل رغم أن الحديث عن أرقام التهرب الضريبي المرتفعة ثابت منذ سنوات طويلة. كما ما تزال تخفق في استعادة مبالغ مالية وازنة سبق أن ضاعت في عمليات الفساد كما في قضية الفوسفات وغيرها.
وأيضا؛ لم نر بعد إنجازا حكوميا في مراجعة ملف الخصخصة الذي سجلت فيه سلبيات واختلالات كبيرة كان يمكن لتصويبها وتصحيحها أن يدر دخلا محترما على خزينة الدولة لتنضاف لما تدره مكافحة تهريب الدخان من أموال ضائعة.
كم نتمنى أن نرى إنجازا حكوميا فعليا في ملف تشجيع الاستثمار مثلا؛ فمنذ سنوات طويلة ونحن نسمع عن ترسخ العراقيل البيروقراطية والمعيقات الإدارية بوجه المستثمرين والاستثمارات ما يحرم الاقتصاد من فوائد هذا الاستثمار ويفقد الخزينة ثمراته، دون أن نرى إجراءات مشددة توقف هذا الاستنزاف الاستثماري على غرار ما جرى مع “إنجاز” وقف الاستنزاف الضرائبي من تهريب الدخان.
باختصار؛ ألا يحق لنا أن نتمنى أن ينسحب هذا الإصرار الحكومي على “الإنجاز” بملف تهريب الدخان على باقي الملفات، صحيح أن تحقيق انجازات بباقي الملفات سيغمر المواطنين بالسعادة ويريح أعصابهم وبالتالي قد يؤثر ذلك “سلبيا” على إقبالهم على التدخين فتنخفض حصيلة الضريبة على السجائر، لكن ربك “بعوّضها” على الحكومة إن شاء الله بباقي التحصيلات!

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock